![]() |
![]() |
![]() |
| عن الشاعر | راسلنا | صوت الشعر | لقاءات | قراءات نقدية | قصة | مقالات أدبية | شعر |
|
سيد جودة - مصر / هونج كونج
جاءت حركة 4 مايو الأدبية عام 1919 ثورة علي شكل القصيدة الصينية العمودية التي تتكون من فقرات متساوية الأسطر ويتكون كل سطر من عدد ثابت من الرموز أو الكلمات التي تنتهي بنفس القافية. وكان هذا الشعر الكلاسيكي يحتاج إلي شرح مستفيض لفهمه وإلي إعادة ترجمة معناه في شعر عمودي ولكن بلغة عصرية سهلة الفهم. تغير كل هذا إلي قصيدة الشعر الحر التي لا تعتمد علي عدد ثابت من الكلمات أو الأسطر و تستعين بالقافية من حين لآخر أو لا تستعين بها علي الإطلاق كما هو الحال في قصيدة النثر. جاءت هذه الثورة الأدبية بشعارات عدة منها: ¢كتابة الشعر بلغة العصر أو تنشر الشعر أو تحرير شكل القصيدة، كما أنها دعت إلي الاستغناء عن القواعد النحوية في كتابة الشعر. من رواد هذه الحركة الشاعر خوشه الذي حرص علي شيئين أولا: تخليص الشعر من رتابته الموسيقيه بحيث تتبع الموسيقي معاني وصور القصيدة بشكل طبيعي في الارتفاع والهبوط، والشيء الثاني هو كتابة الشعر بلهجة جنوب الصين والتي تختلف تماما عن لهجة الشمال، وهو يعدّ أول شاعر صيني يكتب الشعر الحديث بلهجة الجنوب. أفرزت هذه الحركة الأدبية فئتين من الشعراء، فئة تعبر عن الحالة الوجدانية والفكرية للشاعر وتكتب لطبقة المثقفين وأخري تكتب لعامة الشعب وتعبر عن همومهم، وعنيت هذه الفئة الأخيرة بالموضوعات التي يجب أن يتناولها الشعر وكيفية تناولها وتقريب لغة الشعر من لغة الجمهور. ظهرت في بداية العشرينيات من القرن الماضي مدرسة جديدة حرصت علي ضخ الروح الأوربية في الشعر الصيني وإعادة الموسيقي للقصيدة بعد أن غلب عليها سمة النثر أكثر من الشعر. ونتيجة لهذا ظهر شكل جديد للقصيدة ينافس القصيدة الحرة وهذان الشكلان الجديدان للقصيدة أسهما بشكل كبير في تطوير الحركة الشعرية واكتمالها. من أهم رواد هذه المدرسة الشاعر وين إيدوو و الشاعر شوجي مو. وإذا تحدثنا عن شوجي مو كرائد لهذه المدرسة فسنجد أنه رغم أنه مات في حادث طائرة وهو في الرابعة والثلاثين لكنه ترك خلفه أكثر من مائتي قصيدة وأكثر من خمس وستين قصيدة مترجمة من الشعر الإنجليزي، هذا إلي جانب العديد من القصص القصيرة والمقالات. وقد وصفه النقاد بأنه أنموذج عصري للمثالية الكلاسيكية التي تبحث عن الحب والجمال والحرية والإحساس بالطبيعة والانسجام معها. وقد ظل شعره تجارب لمحاولة الجمع بين جمال الشكل والمضمون في القصيدة، فقد كتب الشعر العمودي والحر وكذلك القصيدة النثرية وأبدع فيها بعض القصائد التي تعدّ من أجمل قصائده، وعند نشر هذه القصائد كان الناشر ينبه إلي أنَّ الشاعر يبتكر شكلا جديدا من أشكال القصيدة محذراً القارئ من تقليده فليس كل شاعر يملك موهبة شوجي مو! هو رائد المدرسة الرومانسية المثالية وأشبهه في رومانسيته بشاعرنا الكبير إبراهيم ناجي، وأشهر قصائده هي قصيدة "وداعا كمبردج" وهي أول قصيدة أقرأها له حين كنت أتصفح دواوين الشعر في إحدى المكتبات وفتنت بها وعلمت بعدها أنه من أشهر شعراء الصين وأن هذه القصيدة تدَرَّس في المدارس وما أن أقرأ مطلعها علي أي صيني حتى يكملها معي لشهرتها وإعجابهم بها. ظهرت في نفس هذا الوقت من عشرينيات القرن الماضي المدرسة الرمزية ومن روادها الشاعر موموتيان وتتلخص دعوته في شقين، أولا: ميدان الشعر يختلف تماما عن ميدان النثر فالشعر تصوير للعالم الداخلي للشاعر من أفكار وأحاسيس، وثانيا: الشعر يجب أن يختلف عن النثر في أسلوبه الفكري وطريقة التعبير عنه، فيجب أن يعتمد الشعر علي الإيحاء والرمز والغموض علي حين أن النثر يعتمد علي الوضوح التام. كان موموتيان يدعو إلي أن الشعر يجب أن يكون وراءه فلسفة ولكن لا يجب عليه أن يشرح الفلسفة وكلما كان الشعر غامضا كلما كان شعرا جيدا، فالوضوح إنما يكون للمفاهيم العامة وهذه هي عدو الشعر الأول. إذا انتقلنا إلي الشعر المعاصر فإن جن داني يعدّ من أفضل الشعراء الصينيين المعاصرين حاليا وهو ينتمي إلي هذه المدرسة الرمزية وقد ترْجِمََتْ أعماله إلي أكثر من لغة. ويتميز شعره بالصور المركبة القوية وجزالة البناء اللغوي والحزن الذي يبدو أحيانا هامسا وأحيانا ثائرا والغموض الذي يضيف لسحر وجمال القصيدة. ولعلَّ لو أدركنا أن أشهر قصائده كتبها في عام 1989 أثناء مظاهرات الطلبة في ميدان تيان آن مين فلن نندهش لهذا الحزن وهذا الغموض. وكان قد أبدي لي إعجابه بالشعر العربي ورغبته في التعاون معي لترجمة بعض القصائد العربية للغة الصينية. أما عن الشعر في هونج كونج فلا يمكن الحديث عنه دون تقسيمه إلي شقين: شعر اللغة الصينية وعلاقته بالشعر في الصين، وشعر اللغات الأجنبية خاصة اللغة الإنجليزية وعلاقته بالشعر في الساحة العالمية باعتبار هونج كونج مدينة دولية. معظم أدباء هونج كونج الصينيين نازحون من الصين الشعبية لأجل حياة أفضل. كثيرون منهم ولدوا في هونج كونج أو نشأوا بها وبعضهم انتقل إليها مؤخرا. العلاقة الأدبية بين هونج كونج والصين هي علاقة الجزء بالكل فمما لا شك فيه أنَّ هونج كونج كمدينة صغيرة لا يمكن مقارنتها بهذا المارد العملاق في مساحته وتعداده البشري. فهونج كونج قطرة في بحر الثقافة الصينية التي تشمل إلي جانبها الصين الأم وتايوان وسنغافورة وأدباء المهجر الصينيين في أوربا وأمريكا. تغلب علي شعر هونج كونج سمة الحياة اليومية حيث يتناول الشعراء في معظم قصائدهم أمورهم اليومية في سردي شعري لطيف دون استخدام لصور شعرية مركبة أو لغة متعددة الأبعاد، فيأتي شعرهم مباشرا ولكنه لا يخلو من جماله الخاص. نفس الأمر نجده في قصائد كثير من شعراء الصين ولكن مع الصين الأمر يختلف، فهناك عشرات من الشعراء في أرض التنين وهناك مختلف الأساليب والمدارس الشعرية التي تنبئ عن تراث غنيٌي، ولقد حرصت عند انتقائي لبعض القصائد مراعاة هذا التنوع. الحركة الأدبية المعاصرة في الصين مزدهرة إلي حدٌي كبير، فهناك كثير من المجلات الأسبوعية المتخصصة في الشعر والقصة القصيرة، ويتم جمع هذه الأعمال في نهاية العام في كتاب خاص. وحين يلاحظ المرء مدي جودة الطباعة التي تظهر فيها هذه الكتب وكثرة دور النشر الأدبية وحين يلاحظ مدي ازدحام المكتبات بالمشترين علي غلاء أسعار الكتب، يدرك علي الفور أن الصين لا تعيش حالة من الازدهار الاقتصادي فقط بل والأدبي أيضا، يؤيد هذا حصول الأديب الصيني جاو شين تشيان¢ علي جائزة نوبل للآداب في عام 2000 عن روايته "جبل الروح". أما عن تواجد الشعر العربي في هونج كونج فقد كتبت مقالا في الجريدة منذ خمس سنوات أشكو فيه من عدم وجود أنشطة أدبية في المدينة، فردَّ عليَّ شاعر أسترالي شهير ودعاني لحضور أمسيات شعرية ينظمها شعراء اللغة الإنجليزية بصفة شهرية وكانت فرصة للمشاركة وتقديم تراجم من الشعر العربي. ولأن الأمر قد لاقي قبولا من الحاضرين فقد قمت منذ ستة أشهر بتنظيم ندوة شهرية للشعر العربي مع ترجمة معظم ما يقرأ من قصائد إنجليزية وصينية للغة العربية والعكس كمحاولة للتقريب بين مختلف الثقافات وإعطاء مساحة أكبر للشعر العربي علي خريطة الأدب في المدينة. ومن النتائج الطيبة لهذا دعوة تليفزيون هونج كونج لي لإلقاء قصيدة من قصائدي في برنامج أدبي وكذلك القراءة في ندوة الشعر في معرض الكتاب الدولي فيشئئ سابقة جديدة علي كل من تليفزيون هونج كونج أو معرض الكتاب في الاهتمام بالشعر العربي. تجمع هونج كونج شعراء من مختلف البلدان، تربط بينهم اللغة الإنجليزية إمَّا كلغة أمٌي أو كلغة ثانية تزاحم اللغة الأمَّ وتحتل مكانها أحيانا. واختلاف الثقافات هذا أدَّي إلي تعدٌد الأساليب والأدوات والصور، وهذا يجعل للشعر في هونج كونج مذاقا خاصا يختلف عن نظيره في الصين والبلاد المجاورة، والشعر المعاصر في الصين يقصر عن استيعابه هذا المقال القصير، ولكن من المؤكد أنه شعر جدير بالقراءة ناهيك عن الترجمة.
(نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 7/11/2004)
|