![]() |
شعر مترجم |
ابراهيم درغوثي / تونس
عصفور يخرج من أنفي
لا تهتموا بي كثيرا . فأنا امرأة أخذت أكثر من حقها . عشت أربعين سنة بعد رحيل زوجي . ترقبت مدية ملك الموت وعريت لها الوريدين من الحد إلى الحد بلا خوف ولا وجل . قلت لعزرائيل في ليالي الشتاء الباردة وأنا أتوسد ذراعي : عندما تطأ أقدامك هذه الغرفة – فأنا متأكدة من أن لعزرائيل أكثر من قدمين – لا تمش على رؤوس أصابعك ، فأنا لا أخافك . حرك فوق رأسي جلجلا، أو فجر قنبلة إن شأت .أريد أن أراك وأنت تقبض روحي وتضعها في قفص صغير ، وتطير بها إلى حيث لا أدري .أريد يا سيدي أن أرى ذلك العصفور الصغير الذي قالوا انه يخرج من أنفي وأنا أفارق الحياة . ثم أتدثر وأنام إلى الأبد . وبقيت أترقب ، وأعري الوريدين كل ليلة . ولكنه لم يأت . قلت لكم قبل قليل لا تهتموا بي كثيرا أيها الأصدقاء ، فحكايتي لا تستحق منكم المتابعة لأنني في الحقيقة أحكيها لنفسي ، فقط لنفسي . ربما سيقول لكم الفاهم كلاما أقرب إلى الحقيقة مما قلته أنا ، وهذا شأنكم أنتم معه لأنني لن أحاكم أحدا هذه المرة ، ولن أطلب منكم أن تكونوا في صفي . فقط أرجوكم لا تقولوا إنني امرأة سكنها الخرف . فوالله إنني عاقلة ومظلومة ولا أستحق كل ما سلطه علي ابني الفاهم وكنتي منجية من عذاب . بالله عليكم لا تقولوا هذه عجوز مجنونة قبل أن تستمعوا إلى كل الحكاية ،ثم حكموا عقولكم وقلوبكم وانبشوا قبري وارموا بجثتي للكلاب إذا رأيتم أنني استحق ذلك ، أو أنصفوني من ابني وترحموا علي يرحمكم الله . غزالة في الشرك عندما تغضب أمي مريم مني ، تسب الساعة التي نبت فيها في أحشائها كانت تفعل ذلك وأنا صغير . ولما كبرت ، امتنعت عن السن جهارا ولكنها واصلته في سرها . أنا متأكد من أنها ظلت تسبني إلى آخر رمق في حياتها ، وستظل تسبني وهي ميتة لا محالة . قالت لي مرة عندما سألتها عن أبي :
فسكنت الأسواق ، عندما كانت المرأة تذبح إذا ضبطت وهي تنظر للشارع من وراء الأبواب . اشتريت الأقمشة الرخيصة وتاجرت فيها . بعتها للنساء المتحجبات داخل المنازل ، وغاليت في الأسعار . فأنا أقايض كرامتي بفرنكاتهن . وكنت لا أشبع .
وتقول لها أمي : لا يهمك سأتدبر الأمر . كنت أعرف ما تعنيه بسأتدبر الأمر ، ولكنني لم أكن لأهتم بذلك كثيرا . أذهب إلى دكان العم الجيلاني لأقول له : أمي تقرؤك السلام وتخبرك بأن الغزالة وقعت في الشرك ، موعدنا الليلة بعد صلاة العشاء ، في سقيفة بني كلاب . ويدفع عم الجيلاني للمرأة . وتدفع المرأة لأمي . وتدفع لي أمي ثمن الحلاوة الشامية . وتعود إلى الأسواق ، أسواق الرجال لتشتري زجاجات العطر الرخيصة ، والبخور ، وقراطيس الجاوي ، وقوارير العنبر ، والعلكة ، والسواك . وتطرق الأبواب ، أبواب الرجال الفحول والنساء الشريفات العفيفات . وأمي تبادلهن سلعها بسأتدبر الأمر . والموسرون لا يبخلون بالمال على اللحم الطري المدسوس وراء الأبواب المغلقة بسبعة مفاتيح . وأنا أفرق الحلاوة الشامية على أبناء النساء الموطوءات بتدبير أمي ؛ إلى أن صرت أفرق بين الحق والباطل فكفت أمي عن تكليفي بإيصال خبر الغزالة التي وقعت في الشرك إلى الرجال الذين يدفعون ويذهبون إلى السقائف بعد صلاة العشاء . مريم تداوي العذارى
وأقبض المائة . أدسها في الصندوق وأطلب من الزائرة أن تعود ليلا مع ابنتها . ما أحلى هذه البنت . إنها تساوي وزنها ذهبا ولن أعذبها كالأخريات . فقط سأفتح مابين فخذيها برفق ، وأضع إصبعي الوسطى في الباب الحرام . باب الجنة والنار . سأقيس الفتحة وأقول لها : من ذاق من عسيلتك يا صغيرتي ؟ من هد جدارك يا مسكينتي وترك باب دارك مشرعا للريح ؟ يحمر التفاح على خدي البنت وتبكي . - أطلب الستر يا عمتي . أنا يتيمة ، ووعدني بالزواج ، وأخلف الوعد . وأفتعل الغضب ، فأحرك إصبعي في الفتحة الواسعة ، وأصرخ في وجهها :
ويجن جنون الأم فتضرب البنت المنهارة على فمها .تضربها على رأسها . تضربها على بطنها ، وتنتف لها شعرها ، وتدوس تفاح خديها . وتولول :
ويتراءى لها مشهد في أزقة القرية – ابنتها راكبة على ظهر حمار، ووجهها ملطخ بالسخام ، والأطفال يصيحون وراءها ، والنساء الشريفات العفيفات يرمينها بالحجارة من وراء الأبواب ، والرجال الكرام يتفلون على الشرف المهدور – إلى أن تصل إلى المنزل الذي غادرته في العشية على أنغام الطبلة والمزمار .
وأودعها مع أمها لأحضر لها دواء العذارى المفضوضات البكارة : مزيج من دم الغزال المتيبس ، ومسحوق من زهر عرائس الجن المجلوب من أقاصي الصحراء ، والفاسخ والفاسوخ . وأمشي معها إلى دارها الجديدة . أجلس على الزربية وأركنها إلى الزاوية البعيدة عن الأنوار . ونظل نترقب العريس . يصل المسكين مرتبكا . يدخل برجله اليمنى . يبسمل ويفتح الحجاب الذي يغطي وجه العروس فينبهر بالوجه الحسن ،وبرائحة العنبر الفائح من ثيابها ، و بزخارف الحناء علي يديها ورجليها . وقبل أن أغادر، أطلب منها ، كما اتفقنا في العشية أن تتمنع حين يحاول فتح رجليها ، وأن تطلبني للمساعدة .
ويمتثل الخائف من الفضيحة فيفتح الباب وينادني . أدخل عليهما كرحمة السماء . وأنظر في عيني الرجل لأقول له :
وأغمز للعروس أن اطلبي مساعدة اليدين المجربتين . وتروق الفكرة للرجل فيدس عضوه – في العادة يكون نصف منتصب – بين فخذيها ، فأدس خلطتي السحرية معه . ويسيل دم الغزال . فأطلق زغاريدي ، و العروس تصيح من ألم الذبح المزعوم . ويرمي العريس بقميص العفة للنساء المتحلقات أمام الباب ، فيختطفنه ليرقصن به في ساحة المنزل . وتبكي أم العروس فرحا وهي تقبل القميص المضرج بالدم . ويلعلع البارود فوق السطوح ، فأقبض مائة فرنك أخرى أدسها في صدري ، وأملا حضني بالحلوى وبالضحك المكتوم . الجمر في سروالي كنا صغارا . في الليل ، نجتمع في ساحة الحي . نجمع كدسا من الحطب لنشعل فيه النار. نشعل نارا عظيمة نرقص حولها ونحن نغني ، ثم عندما يهدأ اللهب نجلس قريبا من النار. يختلط الأولاد بالبنات والصغار بالكبار ليحكي لنا عزالدين عن الغيلان ، وعن أولاد السلاطين ، وعن الأعراس التي تدوم سبعة أيام وسبع ليال . وتحرض ياسمينة عائشة الصغيرة للذهاب إلى ركن مظلم في الساحة لتلحق بها بعد قليل لتعدها للعريس . تمشط شعرها وتسوي لها ضفيرتين ترمي بهما على صدرها الذي بدأ يعطي بواكيره ، وتبسط الرمل تحت ردفيها وتناديني أن تعال لتأكل من تفاح الجنة . وألبي النداء ، فتفتح لي زر سروالي وترقدني فوق عائشة على كدس الرمل . بعد قليل تضربني على مؤخرتي ، وتطلق زغرودة وتنادي عزالدين لينام مع العروس . وعزالدين مازال يحكي عن الغيلان و- لو لم يسبق سلامك كلامك لأكلت لحمك مع عظامك -، وعن علي بن السلطان الباحث عن التفاح الفواح الذي يعيد للشيوخ شبابهم . فترفض عائشة عزالدين . تخاف من غيلانه ومن أبناء سلاطينه لكن ياسمينة تهددها بفضح أمرها ، فتقبل العروس الصغيرة افتراء الشابة وتنام مع صاحب الغيلان وهي ترتجف . وتصل أم العروس إلى الساحة . تراقب المشهد مدة ثم تنفخ في النار حتى تعيد لها الحياة . وتأخذ جمرتين . تضع واحدة داخل سروال عزالدين ، وواحدة داخل سروالي . ويهرب صاحب أبناء السلاطين من بين يديها ، وأقع أنا في قبضتها ، فتحك لي الفلفل الحار في عيني وتذهب لتشتكي ياسمينة لأمها وأنا في صياح مجنون :
وتهدد الأم ياسمينة بإخبار والدها ، فتبكي بين يديها وتقول لها :
ونكبر نحن الغار كما يكبر أطفال الخرافة . ولا نقدر على النساء فالدفع في المواخير مقدما، وجيوبنا فارغة ، فندهب للبراري نبحث عن الأتن السائبة نمارس معا الجنس شاهقين حد الانفجار . لا ، ليس الآن يا عزرائيل قالوا لي ابنك ينكح الأتن السائبة في البراري ، فضربت أخماسي في أسداسي ومكنته من زوجة صالحة . وطلبت منه أن يملأ الدار صبيانا وبنات . جاءت البنت الأولى ... والثانية ... وجاءت الخامسة ... ولم يأت الولد . وجاء الولد الأول ومات بالحصبة . وجاء الثاني ومات بجريان الجوف . وتواصل هطول البنات حتى امتلأت بهن ساحة البيت .. وصارت أمهن كالجراد. وعندما جاء الولد كنت قد كرهت الحياة ... صرت لا أقدر على الوقوف ولا على تدبير الرأس . كنت أترقب ابن الزنا هذا لأفرح به . كنت سأقيم له حفل ختان لم تر له البلدة مثيلا ، ولكنه تأخر كثيرا . عاند رغبتي وتأخر في المجيء .. ابن الكلب جاء وأنا أعري كل ليلة لملك الموت عنقي ، وأكشف له عن شراييني المتهتكة فماذا أفعل به ؟ كانت أمه قد أعطت هدايا لكل نساء القرية بمناسبة أفراح الختان ، بيضا وحليبا وشايا وسكرا ونقودا كثيرة سرقتها من خزانتي . كانت كل ليلة تحسب كم صار لها عند النساء من مكتسبات وماذا ستشتري بهذه المكاسب عندما تجمعها يوم الختان . وتحلم بالذهب في عنقها وفي يديها وبالتلفزيون الملون وبالثلاجة والمروحة الكهربائية . ولكن عزرائيل الذي ترقبته من زمان ، ولم يأت خير أن يحل ركبه في دارنا ليلة الفرح . جاء عندما كنت عازفة عنه . جاء ، ولم يمهلني لحظة واحدة . هكذا كالجراح الماهر المتقن لعمله ، قبض روحي . رأيته يخرج العصفور الصغير من أنفي ويهم بوضعه في القفص ، فطلبت منه أن يمهلني أربعا وعشرين ساعة ، نهارا وليلة فقط لا غير . قلت له ، لا يهم الجسد . خذ روحي ولكن أترك القفص معلقا في سقف البيت . أريد أن أرى كيف ستبكيني العائلة . أحرجته بالإلحاح وببكاء الثكالى ، وبلثم أياديه الكثيرة ، فوافق على أن يعود في الغد . وجاءت كنتي منجية . دخلت البيت تتفقد لحم الخروف المرصوص في قصعة في ركن من أركان البيت . ثم عن لها أن تكلمني ... نادتني فلم أرد على ندائها – بالطبع فأنا ميتة – وضعت يدها تتحسس جبيني فوجدته باردا ، ورأت عيني مشرعتين وجسمي يابسا . ضربت كفا بكف ، وخمشت خديها ، وعضت أصابعها ... ففرحت قلت المسكينة هزها موتي هزا شديدا. وامتلأت بالزهو والسرور لكن فرحتي لم تدم طويلا فقد سمعتها تقول :
تيبس جسمي أكثر وأنا أسمعها تتحدث عني بهذا الكلام . وخافت روحي . التصقت أكثر بجدار القفص وهي ترتجف . وجاءتني الخواطر كما كانت تجيء وأنا في الدار الفانية . العاهرة . ابنة العاهرة مفضوضة البكارة . داويتها بيدي .رششت بين فخذيها دم الغزال وسترت حالها . قلت أن يتزوج هذه الكلبة خير له من الجري وراء الأتن الجرباء . ضبطتها أكثر من مرة مرفوعة الرجلين في السقائف ، ولم أقل شيئا لذلك الأبله . أعرف أن البنات بناتها وأن لا عين لابني فيهن ولا أنف . كسوتها وكسوت جراءها من مال الرجال الذين يدفعون بعد صلاة العشاء . وها هي الآن تتحسر لأنني مت قبل أن تجمع أموال الزنا الذي فرقته على مومسات هذه القرية الموبوءة . رأيت منجية تدور في البيت لا تعرف ماذا تفعل ... وكانت أصوات الطبلة والمزمار تصلها حادة ... وكان ضرب أرجل الراقصات على الأرض يستفزها أكثر ، فيزداد هيجانها . دارت ودارت في البيت ، ثم جثمت فوقي . اقتربت بوجهها من أنفي تتحسس أنفاسي وهي تردد ربما أخذتها سنة من النوم . ربما هي تتناوم قحبة القحاب وستفيق بعد قليل . لكنني ظللت كالخشبة اليابسة ، فزادت مني اقترابا ، وبدأت تناديني بصوت نحاسي ، وتحركني من كتفي بعنف حتى ارتطم رأسي بالأرض أكثر من مرة . ولما تأكدت من موتي ، حركت إصبعها الوسطى في وجهي وقالت : طز فيك أيتها العجوز النجسة . لن أفسد عرس ابني بسبب قردة رائحة إلى جهنم وبئس المصير . ثم أغلقت باب الدار ، وذهبت ترقص في الحلقة الضاجة بالنساء . تفاح الجنة لم أدر بموت أمي إلا ليلا عندما طلبت من منجية أن تعطني عشاءها . قالت :
ولم أصدقها . جريت إلى بيتها فرأيتها نائمة على ظهرها ، وعيناها مفتوحتان ، والذباب الأخضر يحوم حولها . من أخبر هذا الذباب اللعين بموت أمي . هششته عنها وبدأت أناديها :
فلم ترد على ندائي . جلست على ركبتي ووضعت أذني فوق صدرها أتسمع دقات قلبها ، فلم أسمع شيئا . رفعت يدها الثمها ثم تركتها فسقطت على الأرض كقطعة من خشب . أقعيت كالكلب المضروب ، وانتفخ قلبي حتى صار كالكرة المبلولة ، وانفجرت باكيا . بكيت كما كنت أفعل عندما رأيت أول مرة رجلا يأكلها بنهم . يأكل من صدرها ومن وجنتيها . يأكل من فمها ومن فخديها. يلاطفها ويلاعبها . يهارشها ويعنفها . وهي تتأوه وتطلب المزيد . ثم سمعت نهنهتها وبكاءها تحت ثقل الرجل ، فوقعت فوق الرجل أضربه بيدي الاثنتين . وهو لا يلتفت لضربي ، فعضضته من كتفه حتى التقت أسناني بعضها بعضا ، وأنا أبكي وأصيح . خار الرجل كالثور وانهد فوق أمي لحظة ثم قام يرفسني برجليه ويسبني بأقذع الألفاظ . فسقطت فوق فخذي أمي المبعثرة فوق الفراش . رأيتها من وراء الدموع تقوم بسرعة لتدفع بالرجل خارج البيت ، ثم تعود . احتضنتني في صدرها وقالت :
ولكن أمي ظلت تبكي تحت الرجل . وظللت أبكي في اليقضة والنوم . بكيت وأنا صاح وبكيت في كوابيسي . وصارت نوبة البكاء تعاودني كلما رأيت صاحب أمي يدخل دارنا خفية مرة وفي وضح النهار مرات ... إلى أن اشترى سكوتي ذات ليلة بقطار من البلاستيك يجري فوق سكة حديد . وكبرت ، فصرت أترك الدار لأمي وألتقي بعائشة وعزالدين الذي ظل يحكي لنا عن علي بن السلطان والتفاح الفواح والغيلان التي لا تشبع من لحم الآدميين . وعائشة تفتح أزرار سروالي وتقول :
فآكل من تفاحها ، وأشرب من لبنها ، والحس العسل المصفى من بين فخذيها . ولا أشبع أبدا .كنت كلما اعتليتها أرفض النزول على أرض الناس ولا أخجل من سوأتي المعروضة للهواء . وعلي بن السلطان يجوب الصحاري ويسلم على الغيلان .- وسلامه يسبق دائما كلامه -. ولماذا يا أمي تموتين الآن ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ وماذا أفعل بلا تقل لهما أف ؟ والجنة تحت أقدام الأمهات . وبالمناسبة هل سيدخل عم الجيلاني الجنة يا أمي ؟ وأنا لا أدري ماذا أفعل ؟ وجدتها ورب البيت ، وجدتها . سأخرج إلى الجميع . الرجال والنساء . النساء الراقصات والرجال السكارى وزوجتي بينهم .سأقول لهم : - يا جماعة الخير ، دام فرحكم . نحن أصحاب العرس ، نشكر لكم تلبيتكم لدعوتنا . ومع السلامة الآن . سلموا على أهلكم . اتركونا وشكرا . ولكن قد يعربد السكارى ، وترفض الراقصات ترك الحلبة ، وتتهجم زوجتي على تدخلي في شؤونها ، فماذا أفعل ؟ هل أترجاهم من جديد ؟ زوجتي وجوقتها . أناديها وحدها وأقول لها :
ولكنني أعرف أنها بليدة ، ورأسها يابس كرأس البغل ، ولا تفهم بسهولة ، وكلبة ابنة كل كلاب العالم . فماذا أفعل إذا رفضت الانصياع لأمري ؟ آه . أشتكيها للبوليس ... لكن البوليس سيقول هذه قضية عائلية ولا دخل لنا في هذه الأمور . سيتعلل بقضية عائلية ليرد لها بعضا من جمائلها التي لا تفتأ تقدمها لهم آناء الليل وأطراف النهار . البوليس إذن قضية خاسرة ، سأشتكيها لأمها . أي والله ، سأشتكيها لأمها ... ولكن حماتي تكره أمي كره المعافى للمرض . وستقول معها أنها ستخسر كل دراهمها التي دفعتها سلفا للنساء إذا تحول الفرح إلى مأتم . آه ... أقول للمحتفلين : أمي ماتت والسلام . كيف لم تخطر ببالي هذه الفكرة . من المؤكد أنهم سيتعاطفون معي .اللعنة .هكذا ننسى دائما الحلول السهلة ونتعب عقولنا بالعسير من الأمور. ولكن الملعونة قد تقول لهن إنني سكرت وما عدت أعي ما أقول ، وتأمر بحبسي في إحدى الغرف . وستجد لا محالة من ينفذ أوامرها . ماذا سأفعل يا أمي ؟ لقد ضاقت بي السبل . عندما رفعت رأسي إلى السقف ، رأيت قفصا معلقا . كان في داخل القفص عصفور صغير لم أر له مثيلا من قبل . عصفور أكبر بقليل من النحلة . ألوانه لا تحصى ولا تعد .ألوان تعشي الأبصار وهي تتحول في كل آن وحين . مددت يدي أهم بالعصفور فلم أجده . وعدت أجلس على الأرض فعاد العصفور إلى مكانه في القفص المعلق قريبا من السقف . فارتبكت وظننت بنفسي الظنون إلى أن انفتح الباب ، فدخل عم الجيلاني يجر وراءه برنسه الحريري ويعطر يديه بماء الورد . قلت : عم الجيلاني ... وصرت أرتعش . لقد شاركت في دفن الرجل منذ سنوات خلت . اقترب مني تسبقه لحيته الحمراء المصبوغة بالحناء . كان كلما خطا خطوة نزل بي العمر عشر سنوات إلى أن صرت طفلا يلعب بقطار . ربت الرجل على شعري وقال :
وضعت القطار تحت إبطي وخرجت .. عندما التفت وأنا أغادر الدار رأيته يمد يده إلى القفص ، فيخرج منه العصفور الصغير . ورأيته يدس العصفور في أنف أمي . وأظلمت الدنيا في ناظري فما عدت أرى شيئا . صفقت الباب ورائي وهممت بالاندفاع خارج البيت إلا أن زوجتي أمسكتني من تلابيبي . وسمعتها تقول :
لم أرد على سؤالها فواصلت :
وذهبت إلى الجبانة . حفرت قبرا لأمي وقبرا لقطار عم الجيلاني . وحفرت قبرا ثالثا دفنت فيه ثيابي . وهمت في الخلاء ... عريانا ...
|
|
|
![]() |
![]() |
|