يتكيء
أحمد بلبولة علي ثقافة تراثية عميقة, تداخلها عروق فلسفية شتي,
من هنا كان المعري وأبو تمام والمتنبي في مقدمة من يشدون اهتمامه
ويلاحقونه بأطيافهم ويسكنون فيه, لعلو نبرة الحكمة لديهم,
وانشغالهم بشهرة تلخيص العالم, وتقديم خلاصة الخبرة والتجربة
الإنسانية, وفي المقدمة من هذا كله لزوميات المعري.
لكن أحمد بلبولة ابن عصره وزمانه, تختلط فيه ـ كما تختلط في
نماذج من جيله ـ أمشاج من ثقافة العصر وروحها المتفتحة والرغبة
العارمة في التجديد والاختلاف. له إذن جناحان من تليد وطارف,
وبهما يحلق في يسر وطواعية, لا تقعد به أدواته ولا تخذله حركته
مع الريح أو في مواجهة الريح, ولا يضيق مداه المنبسط الفسيح في
وجه انطلاقاته المحسوبة.
والشاعر أحمد بلبولة في ديوانه الجديد طائر الهوملي والهوملي كما
أخبره صديقه النحات الألماني كريستوف ثروب طائر يظل يبحث عن وطنه
حتي يموت فيه, وفي هذه الحال يصبح له من اسمه نصيب, فكلمة
الهوم تعني البيت والمأوي والوطن ـ أقول هو في هذا الديوان الثالث
يبحر في مناطق أثيرة لديه, لأنها تقع ـ كما يقول في أحد عناوين
قصائده ـ في المسافة الفاصلة بين الإحساس والحواس. ولا يفوته أن
يضع علي ظهر غلاف ديوانه كلمات دالة من قصيدته: صدأ الصدود يقول
فيها: تبدأ الأرض من رجل وامرأة/ من الحب من روحه المبدئة/
وتظل بإحساسها وردة تشتعل/ قمرا كاد أن يكتمل/ وتموت الخطي
كالجراد/ حين يغدو اللقاء اعتياد/ والحياة رئة.
وهو قادر علي أن يجعل من شعره تشكيلا موازيا لمن ينحتون الحجر.
وقلمه إزميله يسعفه في تكوين الصور وتفتيت الصخرة, وانبعاث الحب
والموت, حين يقول: تبدأ العاديات المغيرات في ذرو روحي/
والأرض ثابتة كحجر/ كالجرانيت يرحل عبر شقوق الأزاميل/ في كف
ناحتة كالقمر/ تبدأ الريح في عزف أوركسترا النحت في حبل منشطر/
رحلة تنتهي حين تبدأ بين حبيبين يقتسمان الضجر/ صخرة ويد/ تلك
مرمية في السكون وذاك يطيل النظر/ ريشة تصعد الآن فوق السحاب/
خبط عشواء تأتي القصيدة كالحب, كالنحت كالموت, كالقادم
المنتظر/ خبط عشواء تلك الحياة التي تتدلي كمشنقة لابن آدم كيلا
يمر/ كل شيء هباء إذن فلنمر/ نحن نعبر من قدر لقدر.
ألا يذكرنا هذا الكلام الأخير بتشاؤمية المعري, ومرارة المتنبي
وهو يروي رمحه غير راحم بعد أن عرف الأيام والناس؟ إن بلبولة
المغري بما يمنحه الفن وتمنحه الكلمة من سر الخلود يقول في أسي لا
لبس فيه: ولكن حظك يا موت أن تنتصر. وأمام انتصار الموت يكون
التشكيل في الحجر ويكون الإبداع في الكلمة: خبط عشواء أوقاتنا
كلها/ وأمانينا ورق في شجر/ ريشة تهبط الآن للأرض/ إذ يرحل
الناحتون ويبقي الحجر/ وتظل علي حالها الأرض لؤلؤة تستحم علي
ضوئها في السحر.
أحمد بلبولة الذي يئوده عبء الدكتوراه, وينخرط الآن في السلك
الأكاديمي لكلية دار العلوم مضطر أن يعيش في صحو الوعي بأكثر من
شروده في غيبوبة الحلم الشعري, ولابد أنه يعاني الآن جدلية
التوتر بين الأكاديمية والإبداع الشعري, وأمامه رهان حقيقي ينتظر
نجاحه في تحقيق المعادلة الصعبة وإثبات شعريته في وجه تحديات
الغد. وهي تحديات ليست بالهينة إذا ما أراد لنفسه مكانة جامعية
متميزة, بين أساتذته ونظرائه.
فكيف يحفظ عليه ماء الشعر وكيمياءه منبجسين من فيض نفسه وذوب
وجدانه دون توقف؟ وكيف يدلج في دروب الإبداع حاملا حكمته وصرة
تجاربه باعتبارها أثمن ما يمتلك؟ وكيف يدهشنا في كل أوان بما يتيحه
لنا من ثمار الرحلة وجني الإبحار والتطواف, حتي وإن كان تطوافا
علي غير هدي؟ وهل ستظل هذه النظرة العدمية للحياة والوجود تضفي جو
القتامة والعبوس علي لوحاته الشعرية: الأرض شبر واحد متباغض/
والوقت بندولان يصطرعان/ والحب والدنيا وأنت وشعرنا/ والمهرجان
ومن يصفق.. فان/ تلك الحياة بقضها وقضيضها/ منذورة لبراثن
النسيان.
فليقبض علي الجمر بأقصي ما يطيق, وليشعل حماسنا للشعر كلما واتته
القصيدة الشاردة, وأسعفته اللحظة المواتية, وأنضجته الشرارة
المشعلة لروحه وكيانه, وعقله الذي لا يكف عن التساؤل.