سيد جودة - مصر
التدين علاقة بين المرء وربه, وليس لي أن أحكم على الشخص بدرجة تدينه فأحبه وأفضله على غير المتدينين إن كان متديناً وأنبذه إن لم يكن. ولابد لي هنا من أن أوضح مقصدي من كلمة التدين, فالتدين الحقيقي إنما هو في المعاملة الطيبة للناس كما يقول الحديث الشريف "الدين المعاملة". التدين في رأيي ليس مجرد أداء العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة, فكم من مصلٍّ تاجر يغش الناس في الميزان وكم من متعبد يرتشي ويظلم ويكذب ويحلف زوراً وكم من مطوَّفٍ بالبيت العتيق يسرق في زحام العابدين. فأداء العبادات إنما هو فرضٌ من الرب على العبد والله وحده المطلع على القلوب والنوايا وهو وحده له الحكم في صدق أو زيف العبادة. أما أن أحابي شخصاً في أمور الدنيا لمجرد أنه متعبد آناء الليل وأطراف النهار فهذا خلط بين الحابل والنابل وتشويش على الحق. ففي أمور الدنيا يجب على ذي العقل الرشيد وباغي العدل والحق أن يحتكم فقط إلى الأسباب المؤدية إلى النجاح والرشاد ما أمكنه ذلك. ولكن يأبى المنافق إلا أن يستخدم كل ما في جعبته من حيل ووسائل تقربه لأهدافه الدنيوية حتى ولو كان التدين هو أحد هذه الوسائل, فيصبح إظهار التدين باباً يدخل منه المنافق إلى قلوب من يريد كسب مودتهم. ترى المنافق يصلي فيظهر خشوع المغشيّ عليه, ويتكلم فيطرز حديثه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية ليزيده جمالاً وسحراً وتأثيراً على سامعيه كما تتجمل المرأة بالمساحيق الزائفة لتواري بثور بشرتها وتجاعيد وجهها ولتغوي الرائي بحسنها الزائف. من هنا يصبح الدين مطية يمتطيها المنافق للوصول إلى مآربه, وهذا من أخطر الأشياء, أن يتحول الدين من علاقة بين العبد وربه إلى وسيلة رخيصة لكسب رضا أرباب آخرين ما لهم من سلطان. النفاق هنا كالشرك الخفي, يتسلل في قلب المرء دون أن يشعر به إلا وقد ملأ قلبه فلم يعد يشعر معه صدقاً من نفاق وحقاً من باطل. ما أكثر المتدينين الذين يقضون سكون الكون بضجيجهم المنفر ولا يشعرون بغضاضة في كذب أو غش أو خداع أو خيانة لمبادئ الشرف والكرامة, ولا يشعرون بأية خيانة لمبادئهم أو انتقاص لكرامتهم ولا عجب في ذلك, ففاقد الشيء لا يعطيه وكل إناءٍ بما فيه ينضح!
|
|
|