سيد جودة - مصر
من سمات المنافقين التلون, فالمنافق حظاه الله ومتعه بقدرة غير عادية على التلون في كل حال. موهبة لم نحظ بها نحن البسطاء الذين لم يرزقوا بتلك النعمة الغالية. لكن نحمد الله على أننا لم نرزق بها. أقول من سماتهم أنهم يتلونون بقدرة غير عادية ويتغيرون بموهبة خارقة ليلائموا ظروفهم الجديدة, ويظلون في تلون وتغير متعاقب حتى ينسى المرء لونهم الأصلي وشخصيتهم الأولى. هم في ذلك كالحرباء, تتلون بلون ما تقف عليه, فتارة هي صفراء وتارة هي خضراء وتارة هي حمراء أو سوداء أو زرقاء إلى ما لا نهاية. وإن سئلت عن لون الحرباء الأصلي ستضطر للتخمين من بين كل هذه الألوان. كذلك المنافق يفقد شخصيته الأولى من كثرة التبدل والتحول فلا تجد نواة أولى ورابطاً ثابتاً وخيطاً يجمع صفاته المتعددة في ماهية واحدة. يظهر هذا التلون واضحاً جلياً حين يتعامل مع مديره في العمل فيحاول أن يتشبه بمديره في أفعاله وأقواله وطريقة حديثه ولكنته وملبسه وطريقة مشيته وتفكيره مؤمناً بأنها الطريقة المثلى للحياة. ومن كثرة تقليده يصبح هذا التقليد لا شعورياً وينسى معه السبب الأول الذي حركه وأوجده ألا وهو التقرب لمديره ليحظى من جراء ذلك قليلاً أو كثيراً من العطايا والهبات. حين يتبدل الحال ويذهب مدير ويأتي مدير جديد ترى المنافق ساكناً وفي حالة ترقب ليرى هذا الجديد وما طريقته وشخصيته ويحدد على ضوء مراقبته الهادئة خطواته القادمة وأي قناع يلبس وأي حديث يقول وبأية طريقة ينطق به. لا شك بأن هذه مهارة تحسب لصاحبها لأنه لم يولد بها بل اكتسبها من خبرات عديدة عاشها وعايشها وحاولها مرات ومرات إلى أن خبرها وأصبح يفعلها في يسر وبراعة مذهلة تجعل الرائي له والعارف له ولنفاقه يكاد أن يصدق أنه مخلص فيما يقول وفيما يفعل. ومما لا شك فيه أن المنافق يتمتع بذكاء اجتماعي حاد وإحساس مرهف بما ستتكشف عنه الظروف وقدرة على اتخاذ الخطوة المناسبة له في الوقت المناسب فيسارع باتخاذها ويقول ما يقول ليضرب ضربته ويجني من ورائها مآربه. لابد للمنافق لكي يتم مهمته بنجاح من موهبة التمثيل فهو يمثل في كل حال دوراً جديداً بقناعٍ جديدٍ ومساحيق جديدة لتناسب الشخصية التي يؤديها. وأحياناً يكون هذا الأداء من البراعة والإتقان ما يستحق عليه التصفيق والتهنئة كما كتبت في قصيدة إثر تخرجي في الجامعة: فهيا استمروا بتلك الرواية ْ وأبقى هنا في مكاني أشاهد حتى النهاية ْ وأضحك في داخلي و أسخر منكم أصفق للكاذبينَ لكل أداءٍ رفيعْ لكل نفاقٍ بديعْ أصفق ليل نهارْ وأضحك حتى نزول الستارْ! أحمد الله على أنني كنت دائماً في مقاعد المتفرجين لم أبرحها يوماً وأدعوه لكي يثبتني لكي لا أصعد يوماً على خشبة المسرح. سأظل مشاهداً لتمثيل المنافقين وراصداً لحركاتهم وأقوالهم, مصفقاً لهم ومهنئاً على أدائهم الرائع وأردد بيني وبين نفسي قول إبراهيم ناجي: أمرتنا فعصينا أمرها وأبينا الذل أن يغشى الجباهْ! وللحديث بقية طالما ظل النفاق معربداً بيننا في تبجح ودون حياء, وطالما ظن أهل النفاق أن صمتنا كان عجزاً لا أدباًً, وخزياً لا ترفعاً, ولئلا يظنوا أنهم أهل حق وهم أولى بهذا الخزي الذي سعوه له فرحين راضين لا رضي الله عنهم.
|
|
|