سيد جودة - مصر
أراه واقفاً أمام سيده منشداً كلمات النفاق, عالماً ماذا يريد سيده أن يسمع فيسمعه إياه, وما الذي يطربه فيشدو له به. أراه وقد احمرت وجنتاه سعادة ً لوقوفه في حضرة سيده, وانفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة تكاد تصل ما بين أذنيه اللتين احمرتا أيضاً, والله وحده يعلم سبب هذا الاحمرار, أهو من خجل؟ ليته كان من خجل! يتحدث فيعلو صوته بمنطق الواثق الحاذق المنافق الذي يجيد الكلام المنمق الذي يرضي أسياده دون أن يكون لضجيجه عمق أو دلالة إلا ما يثيره الضفدع من نقيق يزعج به هدوء الليل وسكونه ويقض به مضجع الراقدين في سلام. أراه واقفاً أمام سيده متحدثاً بلكنته, يرطن بها في بهجة الطفل الذي يريد أن يكسب ود أبيه بكل ما أوتي من حيلة. وليس العيب في معرفة لكنات الآخرين والتعرف على ثقافتهم, وإنما العيب والنقيصة في تبني لكنتهم طمعاً في كرمهم, وسعياً لرضاهم, وتملقاً لإسعادهم, و زلفى لكسب مودتهم ولكسب أشياء أخرى الله وحده أعلم بها! ولا يتوقف الأمر عند مجرد التحدث بلكنة غير لكنته بل ويغير اسمه الذي عُرِفَ به بين أبناء بلده ليكون له كنية جديدة واسم جديدٌ من أسماء بلدٍ آخر فكأنه أصبح شخصاً مختلفاً قلباً وقالباً غير ما عرفه الناس عليه. وليس عدم التحدث بلكنة الغير انتقاصاً منها بقدر ما هو إعلاء للكنة المتحدث وفخراً بوطنه واعتزازاً بأصله وتاريخه. ويكون المرء أحوج ما يكون لإظهار هذا الفخر وهذا الاعتزاز حين يعمل مع آخرين من بلدان أخرى. حينها يكون التحدث بلكنة بلده واجباً وفرضاً وطنياً, وما التفريط فيها إلا جزء من التفريط في معنى الوطنية ذاتها. ولكن ينطق المرء بالكلمة لهواً فيستحسنها سفهاً ويكررها لما رأى من عوائدها الطيبة عليه, ويظل يكررها إلى أن يصبح الفرع أصلاً وجذراً, ويستحيل العبث جداً, وتصير النقيصة كمالاً, ويخرج العيب من فيه جميلاً ومحبباً, فلا يترك أثراً منفراً في نفس قائله الذي اعتادت أذنه على سماعه, واعتادت نفسه على مذاق الدونية والتذلل, كما قال المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليهِ ما لجرح بميتٍ إيلام ُ! أراه يهرول أمام سيده يفتح له الباب لاهجاً بكلمات الترحاب, عارضاً خدمته, يذكرني بالجرو الذي يطوف حول سيده فرحاً وطرباً وأنساً فيلعق رداءه في عرفان, وينبح له شادياً آيات الوفاء, معلناً الولاء والطاعة! شتان ما بين الصورتين. شتان ما بين الولاءين. أراه واقفاً أمام سيده وأسمعه طالباً منه السماح بأن يرتدي زيه ولو ساعةً أو ساعتين! زي سيده الذي لا يحق له أن يرتديه لأنه ما جعل له ولأنه رمز لأصحابه وهو ليس منهم. وما ارتداؤه إلا إعلانٌ لجنسية جديدة وخلعٌ لجنسيته الأولى. فإظهار الاحترام والتقدير لتقاليد الآخرين لا يصل لدرجة تبنيها والذوبان فيها. ولكن لا يحفظ قيمه إلا ذو النفس الأبيَّة, الذي لم يعتد على طأطأة الخراف, والسباحة مع التيار طمعاً في كسبٍ رخيصٍ, مهما كان التيار ملوثاً بطين سيترك بصمته على جبهته إلى الأبد. أراه وأراه .... وأسمعه وأسمعه .... فأتقيئ قائلاً: أيها الشاعر المبتئسْ إن يكنْ همُّ غيرك لقمة عيشٍ وشربة ماءٍ وجرعة كأسْ إن همكَ كيف تصون الجباهَ بدون دنسْ!
|
|
|