
عبقرية محفوظ لا تقل عن عبقرية شكسبير
د.عبدالهادي مصباح - مصر
لا شك ان الراحل العظيم نجيب محفوظ يعد من أهم
كتاب الرواية العربية بشكل خاص, والعالمية
بشكل عام بعد أن تم ترجمة رواياته وتمثيلها في
بلاد وقارات عديدة, وحصوله علي جائزة نوبل
التي أري أنها مثل مكتب التنسيق, فعلي الرغم
من أنها ليست أفضل وسيلة للتقويم, إلا اننا
ارتضيناها كدلالة علي أن الذي يحصل عليها هو
الأفضل وهذا غير صحيح, وفي رأيي الشخصي أن
كاتبنا العظيم الراحل أكبر وأعظم من هذه
الجائزة التي يحصل عليها أحيانا من لا
يستحقها, والحقيقة أنني لست أديبا متخصصا في
فن الرواية, ولم يسعدني الحظ بالقرب من
الكاتب العظيم الراحل مثل تلاميذه أمثال
الأساتذة جمال الغيطاني ويوسف القعيد والدكتور
يحيي الرخاوي ومحمد سلماوي وغيرهم, إلا أنني
قارئ جيد لأدب نجيب محفوظ, ومن خلال مؤلفاتي
عن العبقرية والذكاء والابداع أستطيع أن أقول
دون أي مبالغة ان نجيب محفوظ لا يقل عبقرية
وإبداعا عن شكسبير وديكنز,
فقد
كان محفوظ من أعظم الكتاب اهتماما ببناء قصته
بناء هندسيا متكاملا, فقد كان ـ كما سمعنا
منه في الفيلم التسجيلي الرائع الذي أعاده
التليفزيون كثيرا ـ يعمل لكل قصة تخطيطا قبل
بدء الكتابة ويختلف هذا التخطيط والبناء
ويتفاوت باختلاف رواياته, ولكي نوضح علميا
بعض لمحات العبقرية عند نجيب محفوظ ينبغي أن
نعلم أن سر عبقرية المبدعين يكمن في أنهم
يعرفون كيف يفكرون وليس لأنهم يعرفون فيم
يفكرون, ولقد لخص مايكل ميكالكو الفرق بين
العباقرة, والآخرين من الأشخاص العاديين في
كتابه كيف تصبح مفكرا مبدعا, في نقطتين
أساسيتين, وهما أن العباقرة لديهم: أولا
القدرة علي رؤية ما لا يراه الآخرون,
ثانيا: التفكير فيما لا يفكر فيه الآخرون,
ونحن عندما تراودنا فكرة نعتقد أنها ناجحة أو
مجدية, نستمسك بها, ويصعب علينا أن نفكر
في أفكار بديلة غيرها قد تكون أكثر منها
نجاحا, ونظل علي هذا الفكر إلي أن يثبت
خطؤها, أما العباقرة فلديهم كم ثري
ومتنوع من البدائل والتصورات والافكار
الحدسية, التي يقوم العقل بالاحتفاظ بأفضلها
من أجل إجراء المزيد من التطوير لها, ولقد
سمعنا من نجيب محفوظ في هذا الفيلم أنه أثناء
كتابته لرواية ما, قد يكتشف أن هذا الشكل
الذي انتحي به في الرواية قد خرج عن الشكل
والقواعد المألوفة لأشكال الرواية المعروفة
سلفا, فلم يكن منه إلا أن يتسق مع نفسه
ويستمر في إبداعه بالشكل الذي يراه هو لا كما
تلزمه القواعد أو يرضي الآخرين, وهذا هو
الذي يؤدي إلي كل ما هو مبتكر وجديد,
فالعبقرية في أغلب الأحيان تأتي من إيجاد
منظور جديد لم يعتنقه شخص آخر من قبل, ومن
خلال جعل هذا التفكير ظاهرا أو مرئيا للآخرين
وتشكل الإنتاجية الهائلة إحدي الخصائص المميزة
للعبقرية, فقد كان إنتاج نجيب محفوظ غزيرا
لأنه كان منتظما في إلزام نفسه بالجلوس إلي
مكتبه يوميا, واستلهام الإبداع والوحي الذي
أصبح يطيعه عن طريق رد الفعل المنعكس
الشرطي, والحقيقة أن نجيب محفوظ استحق ما
وصل إليه بجدارة لأنه أعطي عمره لعمله, وفي
حديث له مع إحدي المجلات يذكر زوجته بالخير
لأنها تحملت كثيرا من أجله وضحت بالزيارات
العائلية التي تهتم بها المرأة عادة لأنه
لايستطيع أن يستجيب لتلك الرغبة في الزيارات
وحضور المناسبات الاجتماعية لأن وقته لايسمح
له بذلك, ومن خلال نظرية الذكاءات المتعددة
التي تبناها جاردنر يتبين لنا أن نجيب محفوظ
كان يتمتع بأنواع مختلفة من الذكاءات من
ضمنها1- الذكاء اللغوي.
2 - الذكاء
المنطقي ويتضمن البراعة في الوصول إلي النتائج
بناء علي الافتراضات المنطقية.
3- الذكاء المكاني والبصري: ويتمثل في
القدرة علي إدراك العالم البصري المكاني من
حوله بدقة واستيعاب, والقيام بتحولات
وقرارات معينة بناء علي هذا الإدراك, وليس
أدل علي ذلك من أن المكان في كل روايات نجيب
محفوظ يعد البطل الأول والمحور الذي تطوف حوله
الشخصيات.
4- الذكاء
الوجودي: وهذا النوع من الذكاء مرتبط
بالتفكير في الوجود الإنساني, وفي معني
الحياة, والموت, والبعث, ويهتم أصحاب
هذا النوع من الذكاء بالتركيز علي الدين
والعقيدة وأهميتهما بالنسبة للإنسان,
الاسترخاء والتأمل, والتصوف والدراسات
التاريخية والدينية والتراث, والتفكير في
الكون والخلق, وإذا تأملنا روايات محفوظ
فسوف نجد في معظمها هذا البعد.
5- الذكاء الموسيقي: حيث كان لنجيب محفوظ
حس موسيقي عال جعله يلتحق بمعهد الموسيقي لمدة
عامين لكي يتعلم آلة القانون, كما أن لديه
حساسية تجاه الأصوات وحدس كلي للموسيقي.
6- الذكاء الشخصي الداخلي: وأصحابه يملكون
القدرة علي معرفة ذاتهم, والتصرف المتوائم
مع هذه المعرفة, من خلال معرفتهم الجيدة
بجوانب القوة والضعف لديهم ووعيهم بحالتهم
المزاجية ونياتهم ودوافعهم ورغباتهم,
ويتميزون بأن لديهم فهما واحتراما لذاتهم,
وتركيزا وامتلاء عقليا, ووعيا بالمشاعر
الداخلية المختلفة والمتنوعة, وفي ذلك تقول
الدكتورة فاطمة موسي: كان نجيب محفوظ دائما
من أكثر كتابنا وعيا بنفسه وبتطوره الفني
وربما ساعده علي ذلك تراثه الفلسفي القديم
وتمسكه لسنوات طويلة بلقاءات منتظمة مع أجيال
من شباب الكتاب والصحفيين وهم في أكثر الأوقات
يمطرونه بالسؤال تلو السؤال عن كتاباته
وآرائه, ويضعون إنجازه تحت المجهر من الفحص
الدائم, ويتضح مما نشر من أحاديثه المختلفة
أنه كان يسير في تطوره الفني مفتوح العينين,
يعرف مكانه وسط خضم الأحداث, كما يعرف مكانه
ومكانته في خريطة الأدب, وربما لم ينافسه في
ذلك سوي موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.
7- الذكاء الشخصي الخارجي أو ذكاء العلاقة
مع الآخرين: ويتميز أصحابه بقدرتهم علي
إدراك الحالة المزاجية للآخرين, وإدراك
نياتهم ودوافعهم ومشاعرهم, بما في ذلك
تعبيرات الوجه والصوت والإيماءات, وأيضا
القدرة علي رؤية الأشياء وتقويمها من خلال
وجهات نظر الآخرين, وكما نعلم فقد كان
لمحفوظ مريدون من نوعيات وأعمار وثقافات
وخلفيات مختلفة, وكان يقابل كل مجموعة منهم
في يوم مختلف, ويجاريهم ويفهمهم جميعا
ويشعرهم بأنهم قريبون منه, وقد أضاف جاردنر
العديد من الأنواع الأخري من الذكاءات مثل:
الذكاء القيمي والأخلاقي, والذكاء
الوجداني, وذكاء تداعي الخواطر والمعاني,
والذكاء الحدسي.. وكلها كما نري متوافرة
بغزارة في أديبنا الكبير الراحل.