الطريق!

سيد جودة - مصر / هونج كونج

 

هناك كلمات وأقوال ما إن تسمعها أو تقرأها حتى تحفظها عن ظهر قلب, وتظل هذه الكلمات وتلك الأقوال تزور ذاكرتك من حين لآخر. من هذه الأقوال مقولة قرأتها منذ ما يقرب من عشرين عاماً فإذ بها وقد حفرت حروفها على جدران عقلي واستوطنت القلب فأجد نفسي أرددها فجأة دونما سبب واضح أو علاقة تربط الأشياء بعضها ببعض.

هي مقولة قالها لوشون الأديب الصيني الكبير (1881-1936) الذي يعد رائد الحداثة في الأدب الصيني. يقول لوشون: "حين يسير الناس في اتجاهٍ واحد, يُصنع الطريق!" هذه المقولة الجميلة الموجزة الصادقة طرقت أبواب ذاكرتي مؤخراً كزيارات كثيرة سابقة, ولكن هذه المرة استبقيتها فترة أطول وأخذت أمعن الفكر فيها وأتأملها. تساءلت من الذي يحتاج للطريق؟ ومن الذي يصنعه؟ لا شك أن الطريق لا يصنع نفسه وأن الناس الذين يسيرون في اتجاه واحد يضطرون تحت ضغط الحاجة إلى تمهيد هذا الطريق وتعبيده لراحتهم وتيسير السفر عليه للأجيال القادمة, وقد تعود الفائدة الحقيقية على الأجيال القادمة أكثر من الجيل الذي مهد هذا الطريق. تأتي هذه الأجيال الجديدة فتحافظ على هذا الطريق وتتعهده بالصيانة والنظافة وإنارته بأعمدة كهربائية وإضافة علامات على جانبيه وغير ذلك من الوسائل التي تطور هذا الطريق وتجعله أكثر راحة ً لهم وللأجيال التالية عليهم. وهكذا دواليك, تطورٌ بنّاءٌ يهدف إلى التقدم جيلاً من بعد جيل. قد يأتي جيلٌ ويريد أن يحافظ على نفس الطريق القديم دون أية إضافات أو صيانة تجدده وتحدثه ناسياً أن هذا النوع من المحافظة إنما هو في حقيقة الأمر إهمال وتكاسل. فهذا الطريق لا يمكنه بحال من الأحوال أن يستوعب كل احتياجات العصر المتجددة على الدوام, وبقاؤه دون تغيير لعقودٍ طويلةٍ إنما يدخل تحت مسمَّى القصور عن التطور والملاحقة بركب العصر. وقد يأتي جيلٌ آخر يطالب بمحو هذا الطريق كلية ً بدعوى التجديد والملل من القديم فيتحول الطريق إلى مكانٍ خربٍ بعد أن كان مَعْلماً من معالم الرقي.

إن التقدم الحقيقي كما أراه يتحقق فقط حين نحافظ على ذات الطريق ونزيد عليه بما يناسب متطلبات حياتنا الحديثة, حين نحافظ على هويتنا وأصولنا ونضيف عليها ما لم يكن ضرورياً للأجيال السابقة وصار هكذا لجيلنا. هذا الجمع بين القديم والحديث هو ما يحتاجه أدبنا العربي المعاصر, أصالة في إرساء القواعد والأسس ومعاصرة في التطبيق والتجريب. أصالة تجعلنا نتقن لغتنا العربية إتقان أساتذتنا الأولين لها, ومعاصرة تجعلنا نتقن لغات أخرى تكون لنا نوافذ نطلع من خلالها على كل ما هو حديث من نظريات وأساليب أدبية جربها قبلنا الآخرون. هذه الموازنة هي التي تجعلنا نجدد أدبنا بثقة القادرين على حمل الرسالة التي تركها لنا أسلافنا, ونتعلم من الآخرين بثقة الأنداد, فلا ننغلق على قديمنا فنظل ندور في دائرة مفرغة لا بداية لها ولا نهاية, ولا ننجذب لدوامة الآخرين لضعف في أصولنا فننخلع من جذورنا وتسحبنا إلى القاع دوامة نستحسنها في البداية لحداثتها علينا ولكنها لا تجلب لنا في النهاية إلا الذوبان في ثقافة الآخرين وفقدان الطريق الذي كان يوماً مصدر فخر وتميز لنا بين الأمم.

والآن أود أن أتدبر مقولة لوشون من زاوية أخرى تطرح عليّ أسئلة أخرى. هل يحتاج المبدع إلى طريق؟ هل يساعد الطريق على الإبداع؟ أم أنه يكون بمثابة العقبة في سبيل إبداعه؟ للإجابة على هذه الأسئلة يجب أولاً أن أوضح الفرق بين حالتين يمر بهما الفنان في إبداعه. الحالة الأولى هي تلك التي يتصل فيها بتلك الطاقة الغيبية والتي نسميها الإلهام فيبدأ في كتابة شعره أو موسيقاه أو رسم لوحته وما إلى ذلك من شتى أنواع الفنون. الحالة الثانية التي يمر بها هي الطريقة التي سيبدع بها والشكل الذي سيتخذه ليخرج فيه فنه. في الحالة الأولى وهي لحظة اتصال الفنان بتلك الطاقة الغيبية لا يوجد طريق أو وسيلة لها, فالإلهام ضيف قد يهل على الفنان في أية لحظة بلا مقدمات. الإلهام الحقيقي لا يقبل الاستدعاء بل يحدد بنفسه موعد قدومه وموعد رحيله وقد تكون زيارته موجزة قصيرة فينصرف بغتة ً تاركاً الفنان يكمل إبداعه من ذكرى هذه الزيارة الخاطفة. لا طريق إذن يجعل هذه الطاقة الغيبية الكهربائية تلامس روح الفنان فتشعلها إلهاماً. أما عن الحالة الثانية وهي الطريقة التي يعبر بها الفنان عن إبداعه فأمرها يختلف ولبيان ذلك يجب أن أستعين بشيء من الحكمة الصينية لشرح ما أقول.

قرأت في إحدى كتب فلسفة الكونغ فو أنك قبل أن تتعلم الكونغ فو ترى البحر بحراً والجبل جبلاً, وعندما تبدأ في تعلمه لا ترى البحر بحراً ولا الجبل جبلاً, وحين تتقنه تعود لترى البحر بحراً والجبل جبلاً!! ما معنى هذا؟ وما علاقته بالشعر العربي؟ في الحقيقة إن له علاقة بكل شيء في حياتنا وليس فقط بالشعر. إن معناه الحرفي هو أنك تعرف كيف توجه لكمة بشكل عشوائي قبل تعلمك الكونغ فو, ولكن في بداية تعلمك له ترى أن اللكمة يجب أن تتم بشكل معين مع وضع خاص للقدمين والكتفين والكوع ومفصل اليد وإصبع الإبهام وغير ذلك من تفاصيل أخرى. هنا لا ترى اللكمة طبيعية كما عرفتها ولا تعرف في البداية كيف توجهها بشكل صحيح. حين تتقن الأسلوب الذي تتعلمه تصبح اللكمة الطبيعية التي لا تستطيع أن توجه سواها هي تلك التي تعلمتها في أسلوب الكونغ فو بكل شروطها التي تتطلب وضعاً خاصاً وآلية خاصة في توجيهها. وهكذا يعود لاعب الكونغ فو الذي أتقن أسلوبه ليرى كل شيء طبيعياً ومنطقياً ويمارسه دون أي تصنع أو تكلف في حركته التي تبدو سهلة لمن لا يعلمها ولو حاولها هذا الأخير لأدرك مدى صعوبتها.

إن طبقنا هذا على الشعر فسنرى أن من يكتب محاولات شعرية دون دراسة للأوزان وموسيقى الشعر يظن الشعر سهلاً هيناً فيكتب ما يتراءى له شعراً. حين يبدأ في تعلم الأوزان والكتابة على نمطها تختلف الرؤية لديه وتنقلب الأمور رأساً على عقب ويظهر تكلفه واضحاً في رص الكلمات جنباً إلى جنب لتنتهي بقافية محددة أو في استخدام كلمات بعينها لمجرد ضبط تفعيلة القصيدة, هنا يشعر أن الشعر الذي كان يفهمه لم يعد شعراً والذي كان يظنه موسيقى وإيقاعاً ليس بموسيقى ولا بإيقاع. وحين يتقن فنه ويبرع في استخدام أدواته تأتيه الأبيات طواعية ً دون تكلف أو تصنع فيكتب السهل الممتنع, وهنا يعود له الشعر شعراً حقيقياً.

أخلص من كلامي هذا إلى أن الحالة الثانية التي يمر بها الفنان بعد أن تلامس تلك الطاقة الغيبية روحه بالإلهام يحتاج فيها إلى طريق يعينه على كيفية تشكيل فنه وصياغته, فالموسيقار يجب أن يكون دارساً للمقامات الموسيقية وملماً بأصول الموسيقي الشرقية والغربية, والرسام يجب أن يكون دارساً لمدارس الفن وتاريخه ومراحل تطوره ويجب أن يكون قد تدرب بشكل كاف على الرسم بمختلف الأدوات والأساليب, والشاعر يجب أن يكون متمكناً من لغته التي يكتب بها ودارساً لموسيقاها ويجب أن يكون قد كتب الكثير من التدريبات الشعرية العمودية والحرة. كل هذا بمثابة الطريق الذي لا غنى للمبدع عنه حين تبدأ رحلة إبداعه فتكون النتيجة فناً خالصاً وصادقاً يرى فيه البحر بحراً والجبل جبلاً! حتى وإن قرر المبدع عدم السير على هذا الطريق يظل في حاجة للاتجاه ذاته. أما إن قرر أن يتخذ لنفسه اتجاهاً آخر وسار وحده فإما أن يضل وإما أن يتبعه الناس بعد حين .. ويُصْنع طريقٌ آخر!

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا