الترجمة من لغة وسيطة..

ما لها وما عليها

سيد جودة – مصر / هونج كونج

 

مقدمة

 

أكتب هذا المقال تعقيبًا على إيميلٍ وصلني من مجلة قاهرية تُعْنَى بالشعر، تبلغ قائمتها البريدية بمحتويات عددها الجديد. كان من بين المحتويات الإشارة إلى مقال مترجم بعنوان "فن الشعر" لكاتب يسمَّى "آي كونج". على الرغم من أنَّ الخبر لم يشر إلى جنسية الكاتب أو من أية لغة تمت الترجمة إلا أنني عرفت مباشرة بمجرد أن وقعت عيني على العنوان من هو الكاتب وما هو الخطأ الجسيم في الترجمة.

    فالكاتب هو شاعر وناقد يعدُّ من بين أشهر شعراء ونقاد الصين في القرن العشرين. وُلِدَ في 1910 وتُوفِّيَ في 1996 واسمه الأدبي هو "آي تشينج" بلهجة الماندارين في شمال الصين و"آي تسينج" بلهجة الكانتونيز في جنوب الصين، مع إدغام حرف الجيم في نهاية الاسم دون نطقه، فهي ليست "جيمًا" معطشة كما ينطقها إخواننا في بلاد عربية كثيرة، بل هي جيم مضغمة مخفية لا تنطق. اسم الشاعر بالرموز الصينية هو "艾青"، ويكتب "Ai Qing" بحروف الـ "بِين يِين拼音pinyin "، وهي النظام الكتابي الرسمي لكتابة الرموز الصينية في حروف. هذه التفاصيل واجبة لمعرفة وجه الخطأ في الترجمة، ولمعرفة لماذا أيقنت مباشرة أنها ليست ترجمة من اللغة الصينية بل من لغة وسيطة. الخطأ هنا هو قراءة حرف الـ "كيو Q" وكأنه حرف "الكاف" العربي على حين أنه قريبٌ في نطقه من نطق حرف "الشين"، والخلط بين حرف الـ "I" وحرف الـ "O" فكانت النتيجة أن تحول اسم الشاعر من "آي تشينج" إلى "آي كونج"! ولأن لهذا الشاعر الناقد كتابًا شهيرًا باسم "诗论 shilun" ونطقه بالعربية "شي لون" أي "نظرية الشعر"، وكان الكتاب، الذي يتعدَّى المائة والثمانين صفحة، على رف كتبي على بُعد ذراع من حيث أجلس، فقد امتدت يدي إليه وتصفحت فهرسه فلم أجد فصلاً بعنوان "فن الشعر"، فأدركت أن المترجم ربما يكون قد ترجم عَرْضًا لمقالٍ سابق لهذا الشاعر، أو تلخيصًا لما جاء في الكتاب من لغة وسيطة كالإنجليزية مثلاً، لكن من المستحيل أن يكون المترجم لديه دراية بمبادئ اللغة الصينية، وإلا لقرأ اسم الشاعر وكتبه بشكل صحيح في المقام الأول. كان الأجدر من المجلة استشارة أي أستاذ مصري للغة الصينية في كلية الألسن، وهم كثيرون، قبل الوقوع في هذا الخطأ الجسيم (في نظري). لماذا هو جسيم؟ لأننا بهذا لا نعلم القارئ العربي شيئًا صحيحًا، وإذا كان اسم الكاتب يحتوي على خطأين في النطق فما أدرانا بأن ما جاء في ترجمة المقال يوافق ما ذكره الكاتب في اللغة الصينية؟! ما أدرانا أن الترجمة الوسيطة نفسها صحيحة؟ نظريات الترجمة كثيرة، وربما يكون المترجم الذي ترجم النص من الصينية قد ابتعد عن النص الأصلي إما عمدًا أو سهوًا أو خطأً. بل ربما يكون هذا المترجم الوسيط نفسه قد ترجم عن ترجمة وسيطة، وهنا نفس الأسئلة مطروحة وقائمة! أعتقد أن المجلة مدينة باعتذار وتصحيح لقرائها في عددها القادم، وإلا فهذا استجهالٌ للقارئ لا يليق، واستخفاف به لا يصحّ، فالقارئ أذكى وأوعى وأكثر ثقافة مما يظن الكثيرون. أنتقل الآن إلى موضوع المقال والذي قررت أن أكتبه بعد هذه الحادثة لأوضح عدة أشياء تتعلق بهذا الموضوع الهام.

 

أهمية الترجمة

 

لا يختلف اثنان على أهمية الترجمة وأثرها في نهضة الأمم وإحياء الحضارات. اللغة المصرية القديمة تعدُّ أفضل مثال لهذا والتي لم تكن سوى لوغاريتمات حتى تم اكتشاف حجر رشيد في 1799، وفك رموزه في 1822. كان هناك ثلاثة نصوص محفورة على الحجر بثلاث كتابات مختلفة: الأولى بالهيروغليفية، الثانية بالديموطيقية، وهي كتابة يدوية مختصرة للكتابة الهيروغليفية، والثالثة باليونانية. تم ترجمة النص اليوناني عام 1803، وعن طريقه استطاع الفرنسي جان فرانسوا شامبليون والإنجليزي توماس يانج فك رموز الكتابة الهيروغليفية والديموطيقية. في عام 1822 أعلن شامبليون في باريس فك رموز النصوص المحفورة على حجر رشيد، ليكون بهذا إعلاناً لمولد علم المصريات الذي أعاد اكتشاف حضارة عريقة ومن ثم ترجمة آدابها وعلومها وأساطيرها.

    هذا المثال التاريخي لا يدع مجالاً للشك في أهمية الترجمة، حتى لو تمت عن طريق لغة وسيطة، وهو مثال يستدعي أيضاً شروح الفلاسفة المسلمين لكتب أرسطو، والتي كانت مدخلاً لفلاسفة أوربا لإحياء الفلسفة اليونانية، ومن ثم بداية لعصر النهضة ونهاية للعصور الوسطى. هذان المثالان التاريخيان يعدان نموذجين لما أكده وولتر بنيامين في مقاله "مهمة المترجم" من أن مهمة الترجمة هى ضمان بقاء اللغة. هما مثالان يؤكدان أن الترجمة لم تضمن بقاء اللغة فقط، بل بقاء حضارات كادت أن تمحى من ذاكرة الإنسانية.

     الترجمة في هذين المثالين تعكس سؤالاً ملحًّا طرحه نقاد التفكيكية عن مدى اعتماد وجود النص الأصلي على وجود الترجمة، والتي بدونها قد لا يكون للنص الأصلي معنى ولا وجود. هذا السؤال أدَّى بالتفكيكيين إلى طرح أسئلة أخرى عديدة تتعلق بالترجمة من اللغة الأم مباشرةً لن نتناولها الآن لأننا نستعرض هنا مزايا وعيوب الترجمة من لغة وسيطة، إلا أننا ناقشناها بشيء من التفصيل في مقال منفصل بعنوان "الترجمة من منظور التفكيكية" سوف ننشره قريبًا إن شاء الله.

 

الترجمة من لغة وسيطة، ما لها

 

المثالان المذكوران آنفًا يتعرضان لأهمية الترجمة، حتى لو كانت عن طريق لغة وسيطة، في إحياء اللغة وآدابها، لكن ماذا عن الترجمة من لغة وسيطة إذا كانت اللغة الأصل حية ومستخدمة؟ هل تكون لهذه الترجمة فائدة تذكر؟ أزعم أنَّ لها فائدة كبيرة لا نستطيع إغفالها أو التقليل من شأنها. فائدتها هنا ليست في إثراء اللغة الأصل وآدابها بل في إثراء آداب اللغة المترجم إليها. إنَّ الأمم تولد حين تتعايش مجموعاتٌ من الناس في رقعةٍ جغرافية واحدة، وتجمعهم لغة وعادات وتقاليد واحدة. كبني الإنسان، تمرُّ الأمم بفترة طفولة، ثم مراهقة، ثم شباب وشيخوخة، تمرض وتصحُّ، وتضعف وتقوى، وتنتصر وتنهزم، وفي النهاية تفنى كما فنت أممٌ من قبل، أو ستفنى كما سيفنى البشر جميعًا. والترجمة، سواء من اللغة الأصل أو من لغة وسيطة، تكون أكثر أهمية وأكثر أثرًا حين تكون الأمة التي يترجم إليها النص الأصلي في حالة ضعف ووهن وركود وتحتاج لمن ينهض بها من ضعفها، أو من كبوتها. إن علاقات القوة والتأثير المتبادل بين الأمم بعضها البعض يؤثر بلا شك على الترجمة وكيف ستتم. هذا ما يناقشه إتامار إيفين زوهار في نظريته المسماة "بولي سيستم Polysystem"، حين يكون الأدب المترجم إليه هو الأدب "الضعيف" مقارنة ً بنظيره المترجم منه والذي يكون حينئذٍ أدبًا "قويًّا". هذه الترجمة، حتى لو كانت من لغة وسيطة، تنهض بالأدب "الضعيف"، بتعبير زوهار، وهنا تكتسب الترجمة أهمية تفوق أهمية الكتابة نفسها في هذا الأدب "الضعيف". هذه الترجمة تتأثر بمختلف الكتابات الأدبية وبالمناخ الثقافي والاجتماعي، وتفاعلها مع هذه الأنظمة الأدبية واللغوية المختلفة، ومكانتها في هذه العلاقة الديناميكية بين ما هو أولي وما هو ثانوي، وبين ما هو مركزي وما هو لامركزي في هذه الأنظمة الثقافية والاجتماعية المختلفة. آندريه ليفيفر يربط بين النص المترجم ومكانته في الثقافة المترجم إليها، وبمكانته في مجموعة من الثقافات تشمل ثقافة النص الأصلي نفسه. مكانة النص المترجم هذه قد تكون في مركز الثقافة المترجم إليها، لأنَّ أدب النص الأصلي يفوق في  مكانته أدب النص المترجم، وقد تكون في جوانبها، لضعف أدب النص الأصلي، وهنا تكون العلاقة ديناميكية كتلك العلاقة الديناميكية التي أشار إليها إيفين زوهار.

    كان الأدب العربي في بداية نهضته في القرن التاسع عشر في حالة وهن، أو بتعبير زوهار كان أدبًا "ضعيفا"، ولذا كانت أية ترجمة من الأدب الغربي، الأدب "القوي"، تعدُّ حجرًا عليه ينهض الأدب العربي ويرتفع. كانت معظم الترجمات التي تمت لمسرحيات الأدب الفرنسي في الغالب تعريبًا وليست ترجمة، إلا أنَّ هذا لا يقلل من أهمية الدور الذي لعبته آنذاك. هذا التعريب ليوافق عاداتنا العربية، مثل تغيير المشاهد التي تخالف تقاليد المجتمعات العربية في القرن التاسع عشر مثل مشاهد الحب أو المشاهد التي يخلو فيها رجل بامرأة في مكان مغلق، يتوافق مع ما ذهب إليه جيدوين توري بأن النص المترجم يتأثر بقوانين وتقاليد وعادات الثقافة الأصلية والثقافة المترجم إليها على حدٍّ سواء.

    تأكيدنا على الأهمية القصوى للترجمة وقت ضعف الأدب المترجم إليه يؤيده نقص عدد المترجمين وقلة خبرتهم في ذلك الوقت المبكر من نهضة الأدب. بيد أنَّه حين يشتدُّ عود الأدب الضعيف ويقوى، وينافس كتابه الكتاب العالميين ويحصل أدباؤه على جوائز عالمية تصل لجائزة نوبل، وحين يكثر عدد المترجمين في كل لغة وتزداد خبراتهم في الترجمة نظرًا لتطور الدراسات الخاصة بنظريات الترجمة، واستقلالها مؤخرًا عن الدراسات اللغوية لتصبح بابًا للدراسات قائمًا بذاته، حين يحدث كل هذا في زمننا هذا نستطيع أن نرى بوضوح عيوب الترجمة من لغة وسيطة، وما كان مقبولاً في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين لم يعد مقبولاً الآن، وهذا ما سنتحدث عنه الآن.

 

الترجمة من لغة وسيطة، ما عليها

 

سنتناول أولاً المشاكل التقنية التي يمكن أن تحدث عند الترجمة من لغة وسيطة. أول هذه المشاكل هو النطق الغير سليم للأسماء كما وضحت في مقدمة هذا المقال. كثيرٌ من الحروف في اللغة الصينية مثلاً تحتاج لنطق خاص مثل حرف "X" وحرفَي "Zh" معًا، وحرف "J" وحرفَي "Ch" معًا، إلخ. حرف "J" في الألمانية مثلاً ينطق مثل الياء كما أنه ينطق مثل الخاء في الإسبانية، إلى آخر الأمثلة الكثيرة في هذا الشأن. في حالة كهذه، استشارة من يتقن اللغة الأصل ليست ترفًا، بل ضرورة لا يمكن بأي حالٍ الاستغناء عنها إن كان المترجم جادًّا في عمله والناشر جادًّا في نشره.

    المشكلة الثانية هي افتقاد روح النص الأصلي وضياعها بين نصين مترجمين حتى تصل لقارئ العربية. فروح النص هي ثقافة المجتمع المترجم منه، وثقافة شعبه، وهذا لا يتأتى إلا لمن تمكن من اللغة التي ينقل منها. فإشارة ما في النص الأصلي قد لا يعرفها إلا من يعرف تقاليد هذا المجتمع، وهنا تختلف الترجمة اختلافًا كليًّا. الاعتماد التام على مترجم وسيط هنا لا يخلو من مغامرة غير محسوبة لأنَّه لن يكون باستطاعتنا معرفة ما إذا كانت تلك الترجمة التي ننقل منها ترجمة صحيحة أم لا.

المشكلة الثالثة التي تواجهنا عند الترجمة من لغة وسيطة هي فقدان الرؤية فيما يتعلق بأوجه المطابقة بين النصين الأصلي والمترجم لأن الترجمة تمت عن طريق نص آخر مترجم. المقصود بالمطابقة هنا ما أسماه يوجين نايدا بنظرية "المطابقة Equivalence" والتي يناقش فيها أوجه المطابقة المختلفة (الرسميةOfficial ، الديناميكيةDynamic ، والوظيفيةFunctional ) بين النصين، وكيفية تحقيقها في النص المترجم. في ظل هذه النظرية، إن فقدنا اتصالنا المباشر بلغة النص الأصلي، كيف يتسنَّى لنا أن نحدِّد نوع المطابقة التي نريد تحقيقها في النص المترجم، دون أن تخلو رؤيتنا من شوائب تفقدها مصداقيتها في ظل عدم معرفتنا بنوع المطابقة التي اتبعها المترجم الذي ترجمنا من خلاله. هل كانت ترجمته ترجمة حرفية أم ترجمة لروح النص فقط كما فعل "فيتزجيرالد" عند  ترجمته لرباعيات الخيام، وعلق على هذا بقولٍ، ينمُّ على جهل وعقلية استعمارية بغيضة، إنه وجد الشعر الفارسي يفتقد للشاعرية فأراد إضافتها إليه! هل كانت ترجمة المترجم الوسيط ترجمة إلزامية (Prescriptive) تُعْنَى بنقل المضمون من لغةٍ لأخرى، أم ترجمة وصفية (Descriptive) تُعْنَى بكيفية نقل المضمون وماهية عملية النقل وعلاقتها بالنظام الثقافي والاجتماعي للغة المترجم إليها؟ كيف لمترجمٍ يظن أنه يترجم ترجمة مباشرة أن يقيس مدى صدقه إذا كان لا يعرف نوع المطابقة التي حاولها المترجم الوسيط في ترجمته؟

    إن ما كان مطلوبًا في زمنٍ مضى، لم يعد مقبولاً في زماننا، وما كان محمودًا في زمنٍ مضى، لم يعد كذلك في زماننا. والترجمة من لغة وسيطة، إن لم يكنْ منها بدٌّ، يجب أن يراجعها من يعرف لغة النص الأصلي، وإلا فهذا عبثٌ ضرره أكبر من نفعه، مع افتراضنا طبعًا حسن نية المترجم ورغبته الصادقة في إفادة قارئه، إلا أنَّ الفائدة لكي تكتمل يجب أن يتمَّ الأمر بحرفية لا تكفي معها الرغبة الصادقة في الإفادة.

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا