|
|||||||||||||||||
|
جديد الندوة : |
|||||||||||||||||
فيصل دراج - فلسطين
في العام الأخير، كان بين الشاعر والمقرٌبين
منه تواطؤ نزيه، يطمئنون عن صحته باقتضاب، ويطمئنهم باختصار
تخالطه السخرية لم يلتفت الكثيرون إلي السخرية في قصائدي، كان
يقول . كنا نتكلم عن الصحة ولا نكثر الحديث عن المرض، وكان
يتحدث عن مكر الحياة ولا يتطرق إلي الموت. خدعتني الحياة
فانخدعت . وظلٌت مشاريع كثيرة مؤجلة التحقق. كان محمود، في
ساعات الصفاء الحزين ، يذكر أشياء عن جمال الهدف ومحدودية
الحياة، ويري إلي جزيرة بعيدة لا يراها غيره.
لم يكن اقتصاد اللغة الحكيمة أمرا طارئا أثناء
اللقاء مع درويش، منذ أن كتب في حضرة الغياب . سألني وشاهين
مرة: ما هي السلالة الكتابية التي ينتمي إليها كتابي هذا؟ قلت
لا أري له مرجعا عربيا، فلا هو قريب من بلاغة طه حسين الأزهرية
_ الحديثة في كتاب الأيام ، وليس له مع نثر جبران خليل جبران
علاقة، ولم يكن يحب جبران كثيرا. فيه شيء من نثر أندريه مالرو،
قال: ليس بالضبط. وواقع الأمر أن الشاعر كان مفتونا، في سنواته
الأخيرة، بشخصين هما :فالتر بنيامين ونيتشه، ويردٌد بإعجاب
تمازجه الغبطة بعض أقوالهما مثل :الحقيقة تضيق بالبراهين، كل
حقبة تحلم بحقبة لاحقة، وكل كلمة نجيبة تنظر إلي غيرها،
والتاريخ كائن هائل أعمي لا يضبط خطواته،... كان حوارنا عن
الحكمة البشوشة استئنافا لحوار سبق. ولهذا قطع محمود الكلام
وقال: هل انتبهت إلي تعريفي للقصيدة في أمسية بيت لحم ؟
القصيدة رمية نرد علي بقعة من ظلام _ الحظ نصيب الموهبة إذ
تجتهد،... ولعل من يرجع إلي كتاب في حضرة الغياب يعثر ، بلا
مشقة ، علي هذا اللون من الكتابة، الذي دعوته ب الكلمة الجامعة
وعاد محمود ، لاحقا، وقال من الأفضل أن نقول جوامع الكلم .
كانت من عادة الشاعر، ذاك المبدع القلق
المتطلٌب النزيه الصادق المتواضع، أن يتصل بأصدقائه بعد كل
أمسية شعرية متلفزة، يسألهم عن رأيهم في القصائد التي ألقاها
وعن شكل الإلقاء ومدي تفاعل الجمهور معه. ومع أنه كان قد تحدث
معنا، وتحدثنا معه، بعد أمسيته الأخيرة في بيت لحم ، عاد وسأل:
كيف كانت الأمسية؟ قلنا له : أمٌا عن القصائد فقد مثٌلت السهل
الممتنع والمعقد البسيط والواضح الغامض... قال: وأنا كيف كنت؟
قلت له : جرت العادة أن تبدأ بإلقاء القصيدة مفردا ثم تتكاثر ،
يخرج منك أكثر من شاعر، أحدهم يلقي والآخر يمثٌل الإلقاء وثالث
يبرهن عن المهارة ورابع يستثير الإعجاب وخامس يختصر محمود جميع
الأزمنة. في هذه المرة بقيت مفردا ، شاعرا مطمئنا يلقي بإلفة
قصائد أليفة، أمام نفسه وأصدقائه وأمه وأهل قريته وجمهور
قصيدته، كما لو كنت تقول: أنا محمود درويش عمري سبعة وستون
عاما أقرأ القصائد التي أريد بالشكل الذي أريد أمام الجمهور
الذي أريد، لا ضرورة للإضافة وتبيان المهارة، ولا ضرورة لما لا
يدع الروح طليقة متحررة من الصنعة وطقوس الشطارة. قال بعد
شرود: أخيرا أصبحت أنا، كما أرادتني الخبرة أن أكون، وكما
أرادني الجمهور أن أكون أيضا. إنها الحياة وتعرفان رأيي في
الحياة: ورقة نصيب تربح بعد موت صاحبها.
ولتعبير غير المتوقع عند محمود أكثر من قصة:
حين زار كوريا، في العام الماضي، بمناسبة مؤتمر ثقافي وبدا
الشخصية الأكثر أهمية وجاذبية قال: لم أتوقع هذا، لم أتوقع أن
أكون معروفا في كوريا وأن يقدٌمني كبير شعرائها، هذه مسألة حظ
وليست مسألة موهبة. وحين زار إيطاليا، مؤخرا، والجو ممطر
تواطأت معه مباريات كرة ا لقدم ، قال : لم أتوقع هذا الحضور،
وحين أظفر باستقبال مهيب في مسرح الأوديون في باريس قبل عام،
قال: فاق عدد الحضور ما توقعت. لم يكن محمود يتوقع إلا ما تقضي
به روح رحبة عفيفة زاهدة أو أقرب إلي الزهد، روح شفافة تأمر
بالتواضع، تري إلي كرم الآخرين قبل أن تنصف موهبة متجدٌدة
دؤوبة مقاتلة جعلت من صاحبها أسطورة علي قيد الحياة. قال مرة
بعد أن استمع إلي قصائده في دمشق جمهور غير متوقع : هل أنا
شاعر جدير بجمهور كبير أم أن الجمهور يظنني شاعرا كبيرا؟ ولهذا
كان يكره الدعاية ويحتقر الإعلان ، فالمبدع بماهو دون زيادة أو
نقصان، والمبدع هو الذي يتواصل مع أجداده من المبدعين، والمبدع
هو الذي يحاور الإبداع في كل مكان. وهذا ماجعله قارئا مواظبا:
معجب هو ب أوكتافيو باث ، ومفتون بما قاله بول فاليري عن
الشعر، وقارئ أكثر من مرة لبعض دراسات الألماني أدورنو، وعارف
بالشعر الإسرائيلي ورموز الكبار، ومتابع لما يكتبه الفلسطينيون
والعرب، كأن يثني علي شعر السوري الكردي سليم بركات وقصائد
نزيه أبو عفش، وأن يعبٌر عن تقديره لأعمال الفلسطيني عز الدين
المناصرة ومريد البرغوثي في طوره الأخير،...
بعد القهوة وأحاديث متناثرة عن الكمثري
والمدرٌج الروماني ولغة الكوني وسليم بركات وجمالية الرمان في
الكروم الفلسطينية المطاردة، جاء طبيب صديق مشهود له بالكفاءة
والمعرفة قال: العملية خطرة لكنها مضمونة النجاح، هناك كل ما
يلزم لتكون ناجحة، لا لزوم للقلق أو ما يشبه القلق. ما كنا
نقوله بكلمات تشجيعية سريعة ملتوية القوام ، قاله الطبيب بلغة
علمية أخلاقية صارمة. لم نقل شيئا ومسح محمود وجهه بمنديل ورقي
وقال: إنشاء الله . انصرف الطبيب مخلٌفا وراءه القليل من
الطمأنينة والكثير من مالصمت.
(أخبار الأدب)
مرحباً بإرسال نصوصكم الإبداعية أو رسائلكم أو
أي خبر إلى الندوة العربية على البريد الإلكتروني:
sayedgouda@arabicnadwah.com
كما يمكنكم نشر نصوصكم مباشرة في منتدى الندوة
العربية:
www.arabicnadwah.justdiscussion.com
حقوق النشر ليست محفوظة بشرط الإشارة للمصدر
| |||||||||||||||||