شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني  | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة

حلم الطائر المهاجر

سيد جودة - مصر

 

يخطئ من يظن أن الطائر المهاجر الذي اعتاد السفر والترحال، الذي لا يقر على أيكة إلا وطار إلى غيرها، أو الذي حط على غصن فاستطابه وبنى فوقه عشه الصغير، يخطئ من يظن أن هذا الطائر لا يحن إلى عشه الأول الذي تركه منذ سنين لسبب أو لآخر.

يخطئ من يظن أن الشعور بالوطن يقل ويتضاءل في البعد عنه والإقامة في أرضٍ سواه. العكس ما أرى والنقيض ما أشعر. ليس أدل على هذا من رغبة أي طائر مهاجر في العودة لأرض موطنه حين يحلق فوقه عُقاب الموت متهيئاً لأن يلتقطه في أية لحظة، فأرض الوطن دائماً هي الأرض التي يتمنى أي طائر مهاجر العودة إليها لتكون مدفنه. شيء عجيب أن تكون أرض الوطن أرضاً للموت لا للحياة! إلا أن هذا الموت وهذه الحياة لا تتعدى حيز الجسد ولكن عالم الروح شيء آخر. فهناك أرواح تشعر بالوطن أكثر في البعد، وتعشقه أكثر حين تهجره مليًّا أو هجراً طويل، كأن هذا البعاد وهذا الهجر اختبار لما بين المحبين من عشق.

          هذا الحب يظهر في أصغر الأشياء حين يغترب المرء عن وطنه – إن سرت بمحاذاة البحر لا أذكر إلا شواطئ مصر وكيف أن مياهها أنقى وشواطئها أجمل وأتفاخر بهذا أمام أصدقائي، إن سرت على الكورنيش لا أذكر إلا كورنيش النيل ورحلة قارب مع الأصدقاء ومتعة لا تعدلها متعة، إن ما شربت عصير مانجو أقول لأصدقائي الصينيين إنه ليس إلا عصيراً لقشر المانجو وإنهم إن شربوا عصير المانجو في مصر سيشعرون أنهم يأكلون المانجو لا يشربونها! وأشياء كثيرة تذكرني بمصر.

          إلا أن هناك أيضاً كثيراً من الإيجابيات التي أراها هنا في هونج كونج وتذكرني بالسلبيات التي كنت أعيشها في مصر. هذه السلبيات أراها أوضح كلما عدت لمصر زائراً كما اعتدت كل عام. تغيرت اللغة فأصبحت أسمع كثيراً من الكلمات المستجدة التي لا أفهمها واضطر للتخمين لفهم معناها. تغير الذوق فلم تعد الأغاني سوى رقص وعري والإعلانات سوى موسيقى راقصة وكأنها محاولة لتغييب الوعي لدى الفرد وإدخاله في غيبوبة أو كأنها مسكن للآلام وهروب من الواقع. تغيرت العادات وتبدلت الأسس التي تقوم عليها العلاقات بين الأفراد متأثرة بانهيار قيمة الجنيه وما جلبه من غلاء في الأسعار وضيق في المعيشة.

لم أعد في كثير من الأحيان أفهم مغزى سلوك ما من شخص ما أو مقصده من كلمة ما يتفوه بها. لكني حين أنظر للصورة بأكملها تتضح لي هذه الجزئيات التي تكونها. السلوك الفردي لا يتكون من تلقاء نفسه في معزل عن المجتمع الذي هو مجموعة أفراد. هذا المجتمع تشكل بنيته وطبائعه وعاداته الحالة الاقتصادية التي يمر بها. ولأضرب مثلاً محزناً ولكنه واقعي ويحدث جهاراً بعد أن كان يحدث على استحياء. لا يستطيع أحد أن يتم مهمة له في مؤسسة حكومية أو غير حكومية دون أن يكون على قدر من الفطنة تجعله يخرج قدراً من المال ويعطيه سراً أو جهراً لمن سيقوم بأداء هذه المهمة والتي هي جزء من وظيفته. هذا الموظف الذي يتقاضى هذه التي كانت تسمى سابقاً بالرشوة وأصبحت تحمل الآن أسماء أخرى لا يتقاضى من الراتب ما يكفي لحياة كريمة فلا يجد وسيلة أخرى غير أن يقبل ما تأباه عفته وكرامته لو كان يتقاضى ما يكفيه. كل هذا يشير إلى أن الحالة الاقتصادية هي التي تشكل وبشكل كبير طبائع وعادات المجتمع.

          ولأن هذه السلبيات يمارسها الفرد بشكل يومي لم يعد يراها سلبية بل لم يعد ينتبه إليها أصلاً وأصبح يتعامل معها كأنها من البديهيات، وأصبح من الطبيعي أن يستخلص هذا شيئاً من جيب ذاك وذاك من جيب هذا ليصبح المجتمع دائرة من الفساد وتظل الدائرة تدور. هذه السلبيات تظل دائماً واضحة أمامي كلما زرت مصر لأنها تظل دائماً ظاهرة جديدة عليَّ ولا أراها في مجتمع هونج كونج. هذه السلبيات تبدأ بفرد وتنتهي بمجتمع كامل ومؤسسة كاملة.

          أذكر أنه في يوليو 2003 قام أنطوني لونج وزير المالية في هونج كونج بشراء سيارة لكسس بقيمة مائة ألف دولار أمريكي ثم قام بعد عدة أسابيع برفع قيمة الضريبة على هذا النوع من السيارات. قام حوالي خمسمائة ألف مواطن بالتظاهر مطالبين بتطبيق المادة 23 من القانون الأساسي الموقع بين حكومة بريطانيا وحكومة الصين عند تسليم هونج كونج عام 1997 والذي يسمح لهونج كونج بسن قوانين خاصة بها لمعاقبة المفسدين دون الرجوع للحكومة المركزية الصينية. كادت وزارة العدل أن تستدعي وزير المالية للمحكمة بتهمة الفساد ومحاولة تفادي دفع ضريبة قام بفرضها على الشعب. اعتذر وزير المالية علانية واعترف بخطئه واضطر على إثر هذه الفضيحة لتقديم استقالته وكذلك تقدمت وزيرة الداخلية ريجينا يب باستقالتها لتورطها في الفضيحة. هذه الفضيحة وضغوط أخرى من أجل الديمقراطية أجبرت تونج تشي هوا حاكم هونج كونج آنذاك على الاستقالة في مارس 2005.

          رغم كل السلبيات التي أراها أكثر كلما ابتعدت، مثل اللوحة التي تتضح أكثر كلما ابتعدت عنها وتضيع معالمها وملامحها إن وقفت ملاصقاً له، رغم كل هذه السلبيات تظل مصر وطني الأول والأخير، ويظل حلم العودة يراودني، لا من أجل الموت فيها، بل من أجل الحياة في غدٍ أفضل.

 

 

 

 

Free Hit Counter
Return to Homepage