يقضم أقدامَنا قبلَ أنْ تطأ الأرصفة
فهل سوف يمنحُنا الخوفُ أجنحة ًلنطير ؟
بلبدتِهِ يتخفى قطيعُ أسود
فأظفارُهُ ستنتّفُ أحلامنا
فمن ذا سيوصلُ أرواحَ من يُقتلون لخالقها بسلام ؟
لقد اوثقتنا مخاوفنا بالحبال
فليس بمقدورنا قتلُ ذاك الأسد
تسلبُنا روحُهُ بُقية ًمن أمان
ومن أجل أن أتحاشاهُ سوف أصادقه
وملءُ حقائبهم كومةٌ ٌمن سلاسل
وفي الرمل قد خلّفوا بُقعاً من دماء
أثوابهم تتهرّأُ فوق الرصيف
وأعينهم كقدور على النار فيها تفورُ الدموع
وجاءوا إلى البحرِ يبتردونَ
إنها نزهة ُالغرباء الذينَ اذا ابتسموا
فدخانُ الحرائقِ يصعدُ عبرَ أصابعهم
تغدو الكؤوسُ ذئاباً وتعوي على المنضدة
أيقضينا من الموت أيتها الذكريات
أجمعينا باحبابنا الميتين على غيمةٍ واحدة
اوشكَ أن يجعل السُوط ُمنا كلاباً
فضحكتنا علقتها العواصف فوق الغصون
وداستُ على ظهرنا عرباتُ القطار
فالدموعُ التي قد ذرفنا ضحى
معْ هشيم الغصون تطير الخرائطُ ُفي العاصفة
تطير المناديلُ ( مطويةً ًخجلاً فوقَ يَبَسِ البصاق )
فتسقط مثل الجدار على ارؤس ِ الراكعينَ السماء
وتُركزُ مثلَ السهام المناقيرُ في الوحل
فلا تتبقى سوى حدقاتٍ من الطيرِ
لكنها لم تزلْ خافقاتٍ على السارية
لم نزل نتطلعُ عبرَ ثقوب مناخيرنا للنجوم
لم تزل تتصاعد رائحةُ ُالنار من تحت أثوابنا
بشر الحافي في
نادي الشيطان
أنفق ثروته فوق
المائدة الدوّارة
علق سجّادته فوق
صواري المهزومين
وبنى حول صوامعهِ
أسواراً من فلين
أغلق خزانات
(البنك) على سُوَر القرآن
أطلق نار الصبر
على مئذنة الجامع
قرأ بأيدي قراصنة
الليل الطالع
و بكأس الخمرة
ذوّبَ ثلجَ الغفران
تنفلق التسبيحة من
شفة العابد
مثل بيوض تفقس عن
دود الحرمان
قبل أوان الميتة
قد لبس الأكفان
وكان بنعماهُ
ينادم ظلّ الحيطان
بشر الحافي ساق
إلى حفرته موكبنا
_____________________________
(*) بشر الحافي :
هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي ( 150 – 227 ) هجرية ،
متصوّف بغدادي يشهد له المؤرخون بالورع والتقوى .
لم تُفتضّ خفايا
البسمات المغموسة بالغسلين
والملفوفين بأثواب
رجال الدين
لم يتلفت أحدٌ
لأنين المعدن
برميل البارود
بألواح النصب
والصبحُ يعلق في
واجهة الحانات
مرّ العمّال يجرون
وراءهمو أقداماً ميتة
مرّ الجرحى يجرّون
بأكياس ٍأكوامَ شرايين
كانت حافلة الركاب
المنفوخة
لن أترجّلَ في
الباب الشرقيّ ( * )
شباباً هربوا من جبهات المنسيين
تركوا المدفع يعطس
تحت الشمس
ينتشلون الفلس
الساقط من أحشاء التنين
أنْ تهرب أيضاً
لوحات النصب
أو أنْ تُحقن تحت
الجلدة مثل عقار الأنسولين
أن تسّاقط من جسد
الوطن المقتول كورقة تين
__________________________________-
( * ) أكبر ميادين بغداد وفيه نصب الحرية
للفنان الخالد جواد سليم
قلتُ لبيكاسو :
كرونيكا نُقلتْ في الليل إلى أمريكا
قالَ : ( وفي كأس
الخمر طفتْ مُقلته كفقاعة )
كانت إسبانيا تلهث
خلف اللوحة
يبيعون الأكفان
لقتلى حرب الردّة
الثورُ الإسبانيّ
يموتُ بلا طعنات
والروث يفوحُ معَ
الموسيقى
في اليوم التالي
لمكوت كرونيكا في المتحف
وأكفّ الأطفال
غدتْ سبطانات
وصيارفة الثورة في
البورصة عَرَضوا الثورَ المسلوخ
بعد سنين من أرق
ٍنامَ العالم
والطائرة المملوءة
ُركاباً
ألقتْ بحمولتها في
فوّهة البركان
أمريكا تحشو
بملايين الدولارات سحابات الصيف
أمريكا تبتاع
بيوضَ البط ّالإسبانيّ
أمريكا توقد في
رايتها خمسين سراجاً
وتظل الراية ُمن
فرط ِالعُتمة مُزرقّة
والجنرالُ بأنجم
رتبتِهِ الذهبيةِ
هبّتْ أولى نسماتِ
خريفٍ ماطر
فارتفعتْ فوقَ
الأكفان رؤوسُ الموتى
اشلاءً تبحث عن
بُقيتها في المحرقة البشرية
والمنفيون يعودون
إلى أوطان أكثر حزناً مبتسمين
وهي تحدّق في
القمر المتمدّد بين الأحراج
فلقد افلحَ في
ترويض ملايين الثيران
ونتانة جوربه
الصوف تُخالط رائحة الموتى
فلقد احسنَ –
بالأبيض والأسود –
ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض
كملاكٍ ضيعَ في الرحلة نحو الله حقائبَهُ
وعلى الأفق الكالحِ تومضُ عيني مثلَ فنار
ما أبقتْ حَمْلاتُ الغازين سوى بابٍ مكسور
أشواكٌ تنمو من أجل مسيح أخر
وعلى الشمس الرخوة تغطس راحة كفي
وصناديقي عَبثَ الدودُ بها واللصّ
كَبُرَ الحزن كأورام السرطان
واعتصرَ البدرُ على الشجر اليابسِ ِأثوابَ الغرباء
عجنت منه يداي شعوباً وحضارات
بأثواب السادة رائحة ًعفنة
ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض
لستُ أرى نفسي بَعدَ العَود غريباً
والكونان على مَبعدة الأنفاس ِمن الأخر
فبينَ الموتى والأحياء زياراتٌ مجانية
فتطلقَ في وجهي ألافُ الماسورات قذائفها
لا أخشى شيئاً وبحلقي ما زال مذاق المُرّ
ألا أعثرَ في الأرض على سقف
وعلى البركان الهائج طافت روحي
سرتُ مع الأجيال من النشوة بالنصر
كان المطرُ الأسودُ يصبغ قرصَ الشمس
وصخورُ الذلةِ تحني القامات
وليس بهذا العالم ما يُغري ؟
يبكون وأعينُهم في أكياس النايلون
كِلمتهم جرفتها الأمطارُ مع البول إلى الوديان
وعلى الأكتاف بقايا عضّات كلاب
وتشبّثتُ بأغصان ٍ نخرات ٍ في الطوفان
في نافذة ٍ لا يدخلها غيرُ دخان
واستمتعتُ بمعزوفات سُعالي
وسحاباتُ همومي تسقي أغراسَ السُعداء
لم أيأسْ ما دامَ فمي قفصاً لبلابلً
وبنظراتي أتنقلُ عبرَ القارات
ألتفاحُ يموعُ كشمعات في أنية الأغصان
التعبى تلقي حِمْلَ الأضواء
العالمُ يلهث خلف قطار ٍ من ذهب
أعلقُ جسميَ كالثوب المبلول
من أجل الشعر تخليتُ عن الكنز إلى القرصان
غادرتُ سفيني ، ويدي موثقة
يجمع قتلى الحرب هداياهم فوق وسادي
أحزنُ أني غادرت ُ فقيرا ً جُزرَ المرجان
احزن أني حين تركتُ العرشَ
أن أتنازلَ عن تيجاني للصعلوك
بيَد ٍواثقة ٍألقيتُ بميراثيَ في محرقة الأموات
وتركت سكارى الحانة يحشون بنادقهم
ألافُ الشعراء بقاطرة نشوى
وعيون ٌتحجبها من دنيا الأحلام ضبابة
ألقى ( البيّاتيُّ ) بيانات العشّاق
وصلاح الصبّور على فـُرُشي
والسيّاب بنبلته ثقب الشمسَ
نفختْ في العود الشرقيِّ مقامَ ( الرست )
يختلفونَ و يتفقونَ على منضدتي
تبتلُّ ثيابي برذاذ القبلاتِ
نسيَ الحارسُ بابَ
المُتحف مفتوحاً
فانسلت هاربة
ًللدرب تماثيلُ أباطرة وملوك
أغلقتِ الأبوابُ
على عَفن العظم المنخور
وأطاحتْ برؤوس
ِالأحياءِ مناجلُ صدِئة
فالموتى عبرَ ثقوب
الدودِ يعودون
انتشرتْ في الأرض
رياحُ الجُثث العفنة
ألافُ الأعوام من
القهر المكبوت
فالأيدي المجروحة
ُمن فرطِ التصفيق
وملايينُ الهاماتِ
المرفوعة
تمارس تلك
الأحجارُ القهرَ على الإنسان
تطفِئُهُ
كالسيكارة بالرمل
كي يبدي الإعجابَ
برأس ٍمحنيّ
ويدورَ كثور ٍحولَ
كراسيها
منذ سهى عن حفظ
أمانته الحاسُ
والإنسانُ يُسلّم
هامته بطواعية المذلول
نحن شهدنا ظهور النبيّ المزيّف
يحجبُ عينيه في خوذةٍ من حديد
وحاكتْ من المهج الساحراتُ ـ العجائزُ
أصابعه فوق جلدتنا كالسياط
وأشباحَه ، وهي تسعل في العاصفة
ويلقي إلى السبع حشد الجياع
أضلاعُهم تتفتـّتُ تحت دواليب دبابة الغاصبين
وفوق الصدور نجومٌ ملطـّخة بالبصاق
نحن شهدنا ظهور نبيّ مزيّف
يعبّئُها في بنادقه ـ حين يحتاجها ـ بدل الطلقات
في مقلتيه الضغينة تعصر أهدابه الداميات
نبيّ على فمِهِ نتنُ الجُثث النافقات
تبعناه نحو النهار ، فتهنا
وقد لمّنا مزقا ًليذوّبنا بدخان سكائره
وعلمنا الحقد فنـّا لنأكل بعضا ً
ليضيعَ الأراذلُ بالخيّرين
إذا ما احترقنا على عرشه ظلّ فردا ً
يصبّ صهيرَ المعادن في الحدقات
وفوق جراحاته أفرخ الثأر سربَ ذباب
لكنه عاد للثأر من ورقات الشجر
نبيّ يُقيمُ على السّهب صلبانه
وينفخ نيرانه في عيون النيام
نبيّ بغرفته الحقدُ يبني تواريخه بالعظام
مدافعُهُ ليس تدوي سوى في المآتم
أمّا صحائفه فرسائل للإبتزاز
أشياعُه يلعقون الدماءَ بأهدابهم
يُطوّبُ منتظريه وقبضته في الخزانة
كنديف الثلوج على شرفات الزمن
وثمّة نافذة تتنفس منها عروق البدن
فإياكم والخضوع لسوط النعاس
تعالوا نحرّرْ من الجلد أرواحنا
بعيونٍ طافيةٍ في
موجة أحزاني كفقاعات
وبصوتٍ صُبّ
بحنجرتي كصهير الفولاذ
وبأهدابٍ لا تُدخل
في جوفي الشمس قُبيلَ التفتيش
بعلامات الإستفهام
المغروزة في حلقي كدبابيس
وبنحلاتٍ يحبسها
في المملحة فضولٌ أو جوع
أني استنطقتُ
حجارتها بسكوني
وبأني حين بكيتُ
امتدّتْ لي الأيدي بمناديل
وبأنْ اعماقي
تنزفُ دون سكاكين
ومفاتيحُ السادة
لا تفتح ابوابي
وعلى بيتيَ ليس
يطير الشيطان
أني – حين يطيب
ليَ المَكثُ – وتدٌ
وبأنْ روحي – حين
أملّ – بها نشقة ُعطر
وبأنْ بصماتي لا
تُمحى في الحالين
قرأتُ باحدى الصحفِ اليوميةِ نَعيي
شكّكتُ بصحة ما اقرأُ في البدء
فالصحفُ اليوميةُ لا تكذبُ
بالرغم من الحبرِ المستورد !!
يدوس بأقدامٍ موحلة ٍ اصحابي
صدّقتُ النعيَ ، فأطفأت مصابيحي
واستدعيتُ ملاك الموتِ الى الغرفةِ ب( الهاتف )
ونثرتُ عليه السمَّ ليأنفَ منه الدودُ
واستبقيتُ لأنفاسي ثُقباً في كفني
ولذلك أذعَنْتُ لصافرة الحكّام
وتركتُ الملعبَ مقتنعاً بالخُسران
والليالي تُساقط أنجمَها في السلاسل
فالحرائق تمحو من الأفق أثارنا
فأيةُ ريح ستحمل أرواحنا للسماء ؟
ستسحقها تحتَ أضلافها البُهُمُ الفزعة
لكنّ صوتي تبددهُ خشخشاتُ السلاسل
ورأسي دخانُ الحرائق ينفخُهُ كفقاعة
وهم يحملون توابيتهم فوق أكتافهم
وأقصى طماحٍ بان يوهَبوا العمرَ اسرى
وفي الأعين الراكضات وراء القطار
أمِن أجل الا نزاحمَ في الرزقِ كلبَ المطاعم
حُرمنا من النوم تَحتَ المطر ؟
وازدحمتْ في السماءِ رؤوسُ الصواريخ
كي لا تدنسَ أقدامُنا الطرقات
بعد أن شَرُدَتْ في دخان الحريق الجياد
أفي كل يوم نبيع منازلنا للغريب
ونقعى باظلال أسوارها إتقاءَ الهجير ؟
وندفنُ أعمارَنا في تراب الملاجئِ
خوفاً من الرُجُمِ الساقطات
فلا حملتْ راحةَ ٌلكِ جُرعةَ ماء
ولا أنقذ َالهاربون البقيّة
ومثل بساط الرياح تطير السهول
لقد كانت الراسياتُ الجبالُ مع الناس تسكنُ بيتاً
تبحث فوقَ خرائط غربتها عن جذور
أصرخُ بالعشبِ حَدّ التوسل :
فلترجئي هجرةَ َالصيف ِ للسنة المقبلة
ويادمعَ أحبابنا في المهاجر
إغسلْ سخامَ الحرائق عن أوجه الماكثين
لم يبقَ من وطني غير مَيتٍ بدون كفن
فيشبّ نزاع
ينفرط الحفل به
وأسدّد من أجري ما
كَسَرَ الخصمان
من يدفع عن قدميه
البرد بجوراب مثقوب
أخرج سكيناً صوب
عدوّ موهوم
لكني لا أخرج من
قبعتي أعدائي
أخرج من قبعتي
غيمات جائعة
تبلع كلّ القاعة
مثل وحوش من دخان
للشمس تطرّز ثوباً
عاري الأكمام
تتلقى كذبات
الساحر بالتصفيق
ليس تمكننا في الريح من التحليق
نحن الفقراء – ملوك الأبسطة الصوفية –
تحت اوامرنا تسعى افواج العث
ولنا من عُري اضالعنا افرشة ، ولحاف
لا نتجرأ الا نسب النزف للسع بعوض
تحتفر الأشباح لنا آباراً ، وتموّهها
والموتى يخفون باقنعة الحفل سعادات الأحياء
نحن – المهزومين المقتحمين –
كي تدعمَنا في حرب مجاعتنا
أن نتنفسَ ما ينقص من حصته بهواء الله
نخشى المجهول ولم نضمن من حاضرنا
أن تنسلَّ على الأعناق أوآن النوم لتخنقنا
ليس لنا من درع يدفع عنا النبل
نحن – السذج مابين العشاق-
اذ لم نلقَ بليل البرد حبيباً
تنتقل الكرة الأرضية مابين الأزمات
لم تتوقف قاطرة التاريخ برغم نفاذ الفحم
خرجت اشباح البرد لتلبسَ اثواب الأمراء
انطلقت نحو شواطيْ الحزن نوارسُ بيضٌ
لتُطلق في الغابات نموراً وأسوداً
من اضلعنا انبعثَ دويّ مدافعنا