ف

راسلنا

منتدى

عن الندوة

أدب وأدباء

صوت الشعر

شعر صيني مترجم

شعر إنجليزي مترجم

شعر مترجم

شعر عربي

ليث الصندوق - العراق

مجموعة قصائد للشاعر العراقي ليث الصندوق

 

أفتقادُ شيء تافه

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

أذكرُ أني كنتُ قديماً أملك رأساً

وبه عينان كشاشاتِ التلفاز تبثان خفايا جسدي

وبه كانتْ أذنان

تلتقطان النجدةَ َمن أجرام منهارة

وعليه نمَتْ كومة ُشَوك

أسماها العامة ُشَعراً

وبه ثقبان يطشّان – إذا دُوهِمتُ – شراراً

وبه شيءٌ مثلُ اللغم يُسمى مُخّاً

لم ينفعْني يوماً

لكن خوفَ تفجّرهِ أبقيتُ عليه بلا استخدام

 

  *  *

منذ زمان كان على كتفي رأسٌ

يقعى كالفار على القمّة

لكن أين تُرى قد ضاع ؟

أحلامي لم تجتز حَدّ السُرَع ِالقصوى

قلبي لم يقفز فوق سُقوفِ الجيران

أظفاري لم تُغمد إلا في لحمي

مَزّقَ قدمي السَيرُ ولم أخلعْ خُفي

اكلتْ لحمي القملة ُ

لكن لم أنزع أسمالي

كيف إذن ضيّعتُ الرأسَ ؟

وطيلة َعمري ما حاربتُ سوى نفسي

رئتي لم تتنشّق من حصّة غيري

لم أسرع في الركض مخافة َأن يفلت عضوٌ مني

لم أسرع في الأكل مخافة َان أبتلعَ لساني

حين اغني أمسكُ اسناني

خوفاً أن تقلعها آهاتي

وبُعَيدَ اليقظةِ استنزفُ أعواماً من عُمري

كي أمحو اثار النوم

 

  *  *

لا أدري أين اضعتُ أنا رأسي

كنتُ وَثوقاً من خطواتي

تتهشّمُ اغصانُ الغاباتِ على جسدي

والريحُ السوداءُ بظهري تفركُ فروتَها

                               كي تزدادَ بياضاً

لكن حين خلوتُ لأملاكي أحسبها

فوجئتُ بأني لا أملك رأساً

 

  *  *

هذي الدعوة ُأرسلها للناس جميعاً

من يعثرْ في الأرض على رأس

فليبعثهُ على عنواني

 

 

أسدٌ هارب

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

أسدٌ هاربٌ في المدينة

لبدتهُ شعلة ٌمن لهب

شاهدتها وهي تلتهم الأسيجة .

وواجهت نظراتِهِ كالمحقق تبتزني

فأوشكتُ نسبَ جرائمَ لم أقترفها لنفسي ،

وهزهزني كالبريمة منه الزئير

فغاصتْ إلى الركبتين بيَ الأرصفة

 

   *  *  * 

ما كان ذا خبراً كاذباً في صحيفة

وما هو بالصّرعاتِ

تروّجها الشركاتُ لتنشيط سوق الكَذِب

بل إنهُ أسدٌ هاربٌ

كتيبة ُجُندٍ

مسلحة ٌببراثنها والنيوب

ومجرورة ٌللقتال بسلسلة من زئير

فكيف اذن أتنزّهُ في ساحةٍ للقتال ؟

وكيف تُراد الحياة

وقد صار حتى التنفس عبئاً ؟

فإنْ يكُ خلف جداريَ سبعٌ

كأنـّي بثوبيَ أحملُ أفعى

 

  *  *  *

 

أسد في المدينة

لكنهُ في الحقيقة كان بداخلنا                           

ترعرعَ من خوفنا

وحين نما نابُهُ

فتحنا له بابَ أجسادنا

ليهربَ منها إلى الطرقات

   

  *  *  *               

 

سنتلفُ أوراقنا

قبل أن تتنفسَ غربتنا الذكرياتِ

سنهربُ مثلَ العناكب

خلف نسيج الشكوك

ونثقبُ جدراننا كالمزاغلِ

نرصدُ ما يتحرّرُ عن نار خيفتِنا من دُخان .

إذا لم تفجّرْ مفرقعةُ الخوفِ أحشاءنا

سيقتلنا ألفُ موتٍ

توالد عن واحدٍ مثلما السرطان

فهل هو حقاً ـ كما ندّعي ـ أسدٌ هاربٌ في المدينة

أم انـّا زرعنا بداخلنا شوكةً

فصارتْ لفرطِ السقايةِ غابا

 

    *  *  *

 

أسدٌ هاربٌ في المدينة

يقضم أقدامَنا قبلَ أنْ تطأ الأرصفة

فهل سوف يمنحُنا الخوفُ أجنحة ًلنطير ؟

إنه أسدٌ واحدٌ

بلبدتِهِ يتخفى قطيعُ أسود

إذا ما غفونا

فأظفارُهُ ستنتّفُ أحلامنا              

فمن ذا سيوصلُ أرواحَ من يُقتلون لخالقها بسلام ؟

   

  *  *  *

لقد اوثقتنا مخاوفنا بالحبال

فليس بمقدورنا قتلُ ذاك الأسد 

نخاف إذا ما قتلناه

تسلبُنا روحُهُ بُقية ًمن أمان

ومن أجل أن أتحاشاهُ سوف أصادقه

سأغلق بابي

وأخرجُ عبرَ ثقوبِ المفاتيح كفي له

ترى هل يصافحُها ؟

أم سيقضمُها ؟

   

 

الأبواب لا تفتح للغرباء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من اضرم النار في الشجرة )

 

انهم ينزلون من الطائرات

وملءُ حقائبهم كومةٌ ٌمن سلاسل

انهم يزحفون

وفي الرمل قد خلّفوا بُقعاً من دماء

أثوابهم تتهرّأُ فوق الرصيف

وأعينهم كقدور على النار فيها تفورُ الدموع

لقد رحلوا دونَ اقدامهم

فقد تركوها بأوطانهم

وجاءوا إلى البحرِ يبتردونَ

فزادوا احتراقاً

إنها نزهة ُالغرباء الذينَ اذا ابتسموا

فدخانُ الحرائقِ يصعدُ عبرَ أصابعهم

وفي غمرة السُكر

تغدو الكؤوسُ ذئاباً وتعوي على المنضدة

   

  *    *    *

أيقضينا من الموت أيتها الذكريات

أرجعينا إلى بيتنا

أجمعينا باحبابنا الميتين على غيمةٍ واحدة

اوشكَ أن يجعل السُوط ُمنا كلاباً

فضحكتنا علقتها العواصف فوق الغصون

وداستُ على ظهرنا عرباتُ القطار

لم نعد نتسمّعُ أصواتنا

فالدموعُ التي قد ذرفنا ضحى

نعود لنشربها في المساء

    *    *    *

معْ هشيم الغصون تطير الخرائطُ ُفي العاصفة

تطير المناديلُ ( مطويةً ًخجلاً فوقَ يَبَسِ البصاق )

تطير الأكفّ كسرب سنونو

فتسقط مثل الجدار على ارؤس ِ الراكعينَ السماء

وتُركزُ مثلَ السهام المناقيرُ في الوحل

فلا تتبقى سوى حدقاتٍ من الطيرِ

                  مسلوبة ًمن اناشيدها

البيارقُ هرَّأها العصف

لكنها لم تزلْ خافقاتٍ على السارية

وبالرغم من ذُلِّنا

لم نزل نتطلعُ عبرَ ثقوب مناخيرنا للنجوم

    *    *    *

تركنا القرى خلفنا للحريق

بَعُدْناكثيراً

بعدنا

بعدنا

ورغم برودة اعصابنا

لم تزل تتصاعد رائحةُ ُالنار من تحت أثوابنا

                              شتاء 1998

 

بِِشرُ الحافي (*)

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

بشر الحافي في نادي الشيطان

أنفق ثروته فوق المائدة الدوّارة

علق سجّادته فوق صواري المهزومين

وبنى حول صوامعهِ أسواراً من فلين

وتحجج من رفض الدنيا

أن يتوارى في القيعان

 

  *  *  *

 

بشر الحافي

أغلق خزانات (البنك) على سُوَر القرآن

أطلق نار الصبر على مئذنة الجامع

قرأ بأيدي قراصنة الليل الطالع

و بكأس الخمرة ذوّبَ ثلجَ الغفران

 

  *  *  *

 

بشر الحافي

مات مصاباً بالإدمان

وبشر الحافي حين يموت

تنفلق التسبيحة من شفة العابد

كالدمّلة الملآى بالقيح

وتنفرط السبحة

مثل بيوض تفقس عن دود الحرمان

لكن بشر الحافي

قبل أوان الميتة قد لبس الأكفان

لم يطق الوحدة في القبر

وكان بنعماهُ ينادم ظلّ الحيطان

بشر الحافي ساق إلى حفرته موكبنا

وأهال علينا رمل البهتان

 

                                             1989

_____________________________

(*) بشر الحافي : هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي ( 150 –  227 ) هجرية ، متصوّف بغدادي يشهد له المؤرخون بالورع والتقوى .

 

ألحصان

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

صهيل يجيء لأذني من داخلي

خفيضا ً .. ومبتعدا ً

كلما أنا كذبته

تردّد في داخلي .. وتلاشى

فهل هو حقا ًحصان بصدري ؟

أم اني رسمت بفرشاة وهمي له خلف عيني عينا ً       

وكحّلتها بالظنون

وكيف تسلـّلَ ،

مع نغماتِ الأسى ؟

أم غيومِ النعاس ؟

ولكنني لست أنفثُ من منخريّ دخانا ً

وفي الصبح

لست أرى بصماتِ السنابك فوق الوسادة

وإذ أنا أنضو ثيابي عنـّي

فليس سوى أعظم

هي أقرب للشوك منها إلى مهرة أو حصان

واني إزاء الموانع

تطفئ ريحُ القنوط مصابيحَ عيني

فأخفض رأسي

وأزحفُ تحت جبال الفشل

 

*  *  *

                             

ولكنني حين أغضبُ

أشعرُ أن قطيعَ خيول

يهشـّم مرآة عيني

وحين اُسَرّ

تمسّدُ عنقٌ حريرية شَعرَ صدري

وحين يُثارُ طموحي

يُقطـّع شيءٌ بصدريَ حبلا ً، ويعدو

*  *  *

نعم لا يُكذب هذا الصهيل

وليس يُكذب حسّي

فليس غريبا ً

بانّ حصانا ًيعيش بصدري

أليستْ هناك أفاع ٍ

تعشّشُ في أضلع الآخرين ؟

 

                   حزيران - 1986

بانوراما

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

من نصب الحرية

سقطت بعض القطع الفنية

لم يرفعها أحدٌ

لم تُفتضّ خفايا البسمات المغموسة بالغسلين

داسَ عليها الباعةُ

والشرطة

والملفوفين بأثواب رجال الدين

  *  *  *

لم يتلفت أحدٌ لأنين المعدن

يصعد من أفواه المغدورين

لم توقف أجسادُ المارّة

زحف القاطرة – السكين

لم يُشعل أحدٌ

برميل البارود بألواح النصب

كان حمام الساحة

يتخذ شعور النسوة أعشاشاً

والصبحُ يعلق في واجهة الحانات

                          ثياب المذبوحين

مرّ العمّال يجرون وراءهمو أقداماً ميتة

مرّ الجرحى يجرّون بأكياس ٍأكوامَ شرايين

كانت حافلة الركاب المنفوخة

                          تنفث عبر أنابيب عوادمها

                                     أنّآتِ المحرومين

 

  *  *  *

من نصب الحرية

سقطت بعض القطع الفنية

لم يُرجعها أحدٌ للإفريز

أو يمسح بالهُدب الطين

كانت مثل الثلج تموعُ

والفجر الخجلان يمرّ بها

فيقول : وداعاً

لن أترجّلَ في الباب الشرقيّ ( * )

ما دامت حتى أمطاري

                     في قائمة المطلوبين

مرّتْ دوريات الأمن

تصيدُ بنظرات الأحقاد

                     شباباً هربوا من جبهات المنسيين

تركوا المدفع يعطس تحت الشمس

وجاءوا

ينتشلون الفلس الساقط من أحشاء التنين

كانت أمنيتي

أنْ تهرب أيضاً لوحات النصب

أو أنْ تُحقن تحت الجلدة مثل عقار الأنسولين

لم أكُ أمل

أن تسّاقط من جسد الوطن المقتول كورقة تين

                                           1989

__________________________________-

( * ) أكبر ميادين بغداد وفيه نصب الحرية للفنان الخالد جواد سليم

 

ألجسد – القيثار

ليث الصندوق بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

نزلَ القمرُ المُسهدُ

يطرقُ نافذة الحسناء الفلبينية في الفندق

يسكب خمرته في مفرق نهديها

يلحسُ لوح الثلج الحار

فتحتها

فانسلتْ سُحُب الصيف الساخن

                        من دانتيل الأستار

وارتعشت أعمدة ُالضوء على كريستال الفخذين

وتلاشت شفة ٌذائبة

في عسل الأمطار

فاستسمحها أنْ تقطفهُ من أشجار الليل

وتلقيهِ في معصرة الأثمار

أن تضفر خيطان الضوء الناصلِ من جبّته

أوتاراً فوق الجسد – القيثار

قالت : أعذرني

فصديقي يغفو في البهوِ

وحان أوان تحمّمنا بالنار

إذهبْ ( لعلاوي الحلة ) ( * )

فهنالك بنتٌ من ذهب

تستجدي في أحياء التجّار

بنتٌ من أجحل ملاحتها

تتمنى أنْ تنزل للأرض لتشحذ كلُ الأقمار

___________________________________________

( * ) حي شعبي من أحياء بغداد

 

ألعجائز

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

العجائزُ

يُبصرنَ أحلامَهنّ

تحلقُ مثلَ الطيور

ويبصرنَ دون الطيور الحرائقَ

تقضمُ صخرَ المدى والسماء

فليس تخلفُ في الكون غيرَ الحُطام

ولكنها لا تمسُّ الطيورَ التي هي أحلامهنَّ

   

    *  *  *

العجائز أيامُنا ألآتيات

لذلك يغمرهنَّ السوادُ

ويمنحهن َّ الزمانُ ذرائعَ لا تنتهي للكلام

كأنَّ بأفواههنَّ مناحلُ دائمة للعسل

 

    *  *  *

ألعجائز

أخرُ ما تنتهي له كلّ الحضاراتِ من خرَفٍ وهُزال

لذلك يلقينَ أكفانهنَّ

على شمس عزتهنَّ ، بُعيد انقطاع سلاسلها

وتحطمها فوق صخر الجبال

 

    *  *  *

العجائز

يبنين من حجر الكذب قصراً

يؤثثنهُ بالقمامة

ويرفعن راياتهنَّ عليه ملطخة بزيوت الطعام

وحين يجنُّ عليهنَّ ليل المنيّة

يفتحن أبوابه للذئاب

 

    *  *  * 

العجائز

يفرغن حيرتهنَّ بقنينةِ الأدوية

وتحت خيام الحداد

تلملمُهنَّ المصائبُ

مثلَ كراتٍ من الشوك تدفعها الريحُ للهاوية

 

    *  *  *

العجائز

فوق مراكبهنَّ التي

          لا تبارحُ وسط َالمحيط مواقعها

يتصيّدن أسماكَ حَيرتهنَّ

بصنارَة الكبتِ ،

والشهواتِ المضاعة

ولكنهنَّ ـ كما خبَرَ البحرَ ـ راكبُهُ

يتخوّفن ـ رغم تجاربهنَّ ـ من الرحلة المقبلة

كأنّ لهيبَ المَحبّةِ لم ينطفيءْ في الثيابْ

وما جفّ في الضرع شهدُ الشبابْ

*  *  *

 

العجائزُ

تمثالنا الذهبيّ الذي

حولتهُ السنينُ ترابْ .

 

بيكاسو يرسم قطعاناً من الثيران ويقتلها

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

قلتُ لبيكاسو : كرونيكا نُقلتْ في الليل إلى أمريكا

قالَ : ( وفي كأس الخمر طفتْ مُقلته كفقاعة )

كانت إسبانيا تلهث خلف اللوحة

والقتلى من حرب الشعب

يبيعون الأكفان لقتلى حرب الردّة

الثورُ الإسبانيّ يموتُ بلا طعنات

والروث يفوحُ معَ الموسيقى

                                من عربات الغجر

 

  *  *

في اليوم التالي لمكوت كرونيكا في المتحف

ثارت كلّ براكين العالم

وأكفّ الأطفال غدتْ سبطانات

تَطوّرَ فنّ القتل كثيراً

تحت الأنقاض توارت مدنٌ

وصيارفة الثورة في البورصة عَرَضوا الثورَ المسلوخ

بعد سنين من أرق ٍنامَ العالم

والطائرة المملوءة ُركاباً

ألقتْ بحمولتها في فوّهة البركان

 

  *  *

أمريكا تحشو بملايين الدولارات سحابات الصيف

أمريكا تبتاع بيوضَ البط ّالإسبانيّ

ليفقسَ عن ديناصورات

أمريكا توقد في رايتها خمسين سراجاً

                               من نفط ( الأوبك )

وتظل الراية ُمن فرط ِالعُتمة مُزرقّة

إنطفأت نيرانُ الحرب

وما زالَ دخانٌ في الأفق

والجنرالُ بأنجم رتبتِهِ الذهبيةِ

يرجم شيطانَ الشاعر لوركا

هبّتْ أولى نسماتِ خريفٍ ماطر

فارتفعتْ فوقَ الأكفان رؤوسُ الموتى

اشلاءً تبحث عن بُقيتها في المحرقة البشرية

محضَ هياكل تنهض

ثمّ يطوّحُها الإعصار

والمنفيون يعودون إلى أوطان أكثر حزناً مبتسمين

أوجههم شاحبة

وهي تحدّق في القمر المتمدّد بين الأحراج

تثقبه طلقاتُ القناصة

 

  *  *

مات فرانكو

واصابعُهُ فوق زناد مسدسه

فلقد افلحَ في ترويض ملايين الثيران

ماتَ رضيّاً

ونتانة جوربه الصوف تُخالط رائحة الموتى

أما بيكاسو

فلقد احسنَ – بالأبيض والأسود –

إنطاقَ اللوان جميعاً

 

حرائق الزيت

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

قبلَ قرونٍ مِتُّ

ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض

روحي حائرة ٌ

كملاكٍ ضيعَ في الرحلة نحو الله حقائبَهُ

وعلى الأفق الكالحِ تومضُ عيني مثلَ فنار

هذا بيتي

ما أبقتْ حَمْلاتُ الغازين سوى بابٍ مكسور

تلك حقولي

أشواكٌ تنمو من أجل مسيح أخر

وعلى الشمس الرخوة تغطس راحة كفي

حيث تنقلتُ أرى أبنائي

وصناديقي عَبثَ الدودُ بها واللصّ

كَبُرَ الحزن كأورام السرطان

واعتصرَ البدرُ على الشجر اليابسِ ِأثوابَ الغرباء

 

  *  *

لستُ غريباً عن هذا الوحل

عجنت منه يداي شعوباً وحضارات

وشممتُ له – حين ذُللتُ –

                        بأثواب السادة رائحة ًعفنة

قبل قرون مِتُّ

ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض

لستُ أرى نفسي بَعدَ العَود غريباً

كان جدارُ الموت زجاجاً

والكونان على مَبعدة الأنفاس ِمن الأخر

وإذا اشتقتُ

فبينَ الموتى والأحياء زياراتٌ مجانية

 

  *  *

أضحكُ

والقملُ بأثوابي

اغفو ،

فكأني لم أشبع موتاً

اتطلعُ في المرآة

فتطلقَ في وجهي ألافُ الماسورات قذائفها

لا أخشى شيئاً وبحلقي ما زال مذاق المُرّ

لكن ما يقلقني

ألا أعثرَ في الأرض على سقف

 

  *  *

قبل قرون مِتّ

وعلى البركان الهائج طافت روحي

سرتُ مع الأجيال من النشوة بالنصر

وحتى ذُلّ الأسر

كان المطرُ الأسودُ يصبغ قرصَ الشمس

وصخورُ الذلةِ تحني القامات

 

  *  *

كيف رجعتُ

وليس بهذا العالم ما يُغري ؟

الناس سكارى

يبكون وأعينُهم في أكياس النايلون

كِلمتهم جرفتها الأمطارُ مع البول إلى الوديان

وعلى الأكتاف بقايا عضّات كلاب

 

سعادة الشعراء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

بعتُ لأجل الشِعر الدنيا

وتشبّثتُ بأغصان ٍ نخرات ٍ في الطوفان

علـّقتُ بمسمار رئتي

في نافذة ٍ لا يدخلها غيرُ دخان

واستمتعتُ بمعزوفات سُعالي

جرحي لا يتوقف عن نزف ٍ

وسحاباتُ همومي تسقي أغراسَ السُعداء

لم أيأسْ ما دامَ فمي قفصاً لبلابلً

وبنظراتي أتنقلُ عبرَ القارات

ألتفاحُ يموعُ كشمعات في أنية الأغصان

وعلى جَفنيّ الشمسُ

              التعبى تلقي حِمْلَ الأضواء

 

      *  *  *

 

لم اتعبْ بعدُ

العالمُ يلهث خلف قطار ٍ من ذهب

وأنا فوق حبال الأفق

             أعلقُ جسميَ كالثوب المبلول

أهربُ ..

لكني أرجع طوعا ً لقيودي

 

    *  *  *

                             

من أجل الشعر تخليتُ عن الكنز إلى القرصان

غادرتُ سفيني ، ويدي موثقة

وعلى قبّعتي يسلحُ عصفور

إذ يخلد رأسي للنوم

يجمع قتلى الحرب هداياهم فوق وسادي

ثمّ يغيبون بأعماق الأرض

 

   *  *  *

 

أحزنُ أني غادرت ُ فقيرا ً جُزرَ المرجان

لكنـّي اخترتُ الفردوس

 

   *  *  *

 

احزن أني حين تركتُ العرشَ

غدوتُ أميرَ الشحّاذين

لم يُكرهني أحدٌ

أن أتنازلَ عن تيجاني للصعلوك

بيَد ٍواثقة ٍألقيتُ بميراثيَ في محرقة الأموات

وتركت سكارى الحانة يحشون بنادقهم

بذخائر من تفّ وشتائم

     *  *  *

ألافُ الشعراء بقاطرة نشوى

جاءوا من كلّ عصور الشعر

                      بدون جوازات سفر

مخترقين حدودَ التاريخ ،

وحقلَ اللغة الملغوم                        

ناياتٌ

و( قياثيرٌ)

وعيون ٌتحجبها من دنيا الأحلام ضبابة

في نافذتي

ألقى ( البيّاتيُّ ) بيانات العشّاق

وصلاح الصبّور على فـُرُشي

داسَ فخلـّف بصمات طيور

نجماتٍ .. نجماتٍ ..نجمات

والسيّاب بنبلته ثقب الشمسَ

                    فأمطرت التيزاب

ورياحُ الغربة من سعدي

نفختْ في العود الشرقيِّ مقامَ ( الرست )

يختلفونَ و يتفقونَ على منضدتي

فإذا اتفقوا

تبتلُّ ثيابي برذاذ القبلاتِ

وإذا اختلفوا

يتورّمُ جلدي من ضرب

 

   *  *  *

 

الشعر أنيسي

ادخلُ في أكنان الظلمةِ

في قلبي فانوسي

وصدى نبضي

يُسمَعُ من خللِ الجدران

 

ألألهة الحجرية

ليث الصندوق - بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

ذاتَ مساءٍ

نسيَ الحارسُ بابَ المُتحف مفتوحاً

وغفى

فانسلت هاربة ًللدرب تماثيلُ أباطرة وملوك

 

  *  *  *

 

مذ تلك الأيام

أغلقتِ الأبوابُ على عَفن العظم المنخور

وأطاحتْ برؤوس ِالأحياءِ مناجلُ صدِئة

فالموتى عبرَ ثقوب الدودِ يعودون

ويديرُونَ قطارَ الحاضر

نحوَ النفق المسدود

  *  *  *

مذ تلك الأيام

انتشرتْ في الأرض رياحُ الجُثث العفنة

وانبعثت من قمقمها

ألافُ الأعوام من القهر المكبوت

فالأيدي المجروحة ُمن فرطِ التصفيق

إذا سُئلتْ تختارُ البتر

وملايينُ الهاماتِ المرفوعة

تحنيها محضُ رصاصة

  *  *  *

مذ تلك الأيام

تمارس تلك الأحجارُ القهرَ على الإنسان                               

تطفِئُهُ كالسيكارة بالرمل

فيحفر أخدوداً

تحشره إذ تخطب في الظلمة

كي يبدي الإعجابَ برأس ٍمحنيّ

ويدورَ كثور ٍحولَ كراسيها

 

  *  *  *

 

منذ سهى عن حفظ أمانته الحاسُ

في المتحف ذات مساء

والإنسانُ يُسلّم هامته بطواعية المذلول

إلى الألهةِ الحجرية

 

                       1997

 

عواءُ ذئب في غابة

ليث الصندوق بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

نحن شهدنا ظهور النبيّ المزيّف

يحجبُ عينيه في خوذةٍ من حديد

في جيبه حفنة ٌمن رماد

بها يَدفنُ النائمين

وفي فمه رغوة ٌمن ضغائنِه

فغام المدى – حين طلّ -

وحاكتْ من المهج الساحراتُ ـ العجائزُ

ثوبَ حداد

وقطـّعتِ الشمسُ أسبابَها

وهوتْ كالذبابة

           مطفأة ًفي الوهاد

 

  *  *  *

 

أصابعه فوق جلدتنا كالسياط

تبعنا عناكبَه

وأشباحَه ، وهي تسعل في العاصفة

يدوسُ الخطايا ،

فتـُطلعُ دغلا ً

ويلقي إلى السبع حشد الجياع

رجالاته يلعقون الصدأ

ويتخذون العظام سواك

ومثلَ العناكب

يدّرعون بصمغ الشِباك                        

أضلاعُهم تتفتـّتُ تحت دواليب دبابة الغاصبين

على النار أسيافهم

وفوق الصدور نجومٌ ملطـّخة بالبصاق

رجال من الطين

لكنّ أضراسهم كالمناشير

تقتطع النسل من جذره

 

  *  *  *

 

نحن شهدنا ظهور نبيّ مزيّف

على كتفه حفنة من نجوم

يعبّئُها في بنادقه ـ حين يحتاجها ـ بدل الطلقات

في مقلتيه الضغينة تعصر أهدابه الداميات

يقفز بين القمم

ويلقي الجبال إلى الهاوية

نبيّ على فمِهِ نتنُ الجُثث النافقات

تبعناه نحو النهار ، فتهنا

وقد لمّنا مزقا ًليذوّبنا بدخان سكائره

ولقننا

فأضاف إلى الجهل شعبا ً

وعلمنا الحقد فنـّا لنأكل بعضا ً

وساوى أصابعنا

ليضيعَ الأراذلُ بالخيّرين

إذا ما احترقنا على عرشه ظلّ فردا ً

يصبّ صهيرَ المعادن في الحدقات

أب قاتل لبنيه

 

  *  *  *

                            

أعرفه منذ أن صلبوه

لمّا تزل قبلاتي

مثقوبة فوق راحته

وفوق جراحاته أفرخ الثأر سربَ ذباب

وكان عليّ ترقـّبُ رجعتِه

لكنه عاد للثأر من ورقات الشجر

نبيّ يُقيمُ على السّهب صلبانه

وينفخ نيرانه في عيون النيام

فيحرق أحلامهم

 

  *  *  *

 

نبيّ بغرفته الحقدُ يبني تواريخه بالعظام

مدافعُهُ ليس تدوي سوى في المآتم

أمّا صحائفه فرسائل للإبتزاز

أشياعُه يلعقون الدماءَ بأهدابهم

يُطوّبُ منتظريه وقبضته في الخزانة

 

  *  *  *

 

حدائق ذابلة

رياح تلملم أسيافها

بعد أن حطمتها سيوف الفتن

ملائكة يتهاوون من تعب

كنديف الثلوج على شرفات الزمن

وثمّة نافذة تتنفس منها عروق البدن

فإياكم والخضوع لسوط النعاس

تعالوا نحرّرْ من الجلد أرواحنا

                 قبل أن يعتريها العفن

لمّا يعد للأمان وطن

لمّا يعد للأمان وطن                         

 

البيروقراطيون

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

للبيروقراطيين الأصلاء

النامينَ على أخشاب مقاعدهم

كالعشبة فوق الأجداث

والمحفوظين ببوتقة الغفوة بالديتول

للبيروقراطيين اغني كرهاً

حتى أتمنى أن ألقمَ حنجرتي للكلب

 

    *  *  *

 

وزراءٌ بملامحَ من صخر

تُنحتُ بالأزميل بها البسمة

وكلاءُ وزاراتٍ

تحت مقاعدهم ألغامٌ ، ومصائدُ فئران

ضبّاطٌ بمدافعهم

سقطتْ فوق معاطفهم ألاف الأنجم

مخبولون بتيجانٍ من أكياس النايلون

للبيروقراطيين سأقلع أسناني

كي لا اضحك ممن يشهر دبّوساً

ليحرّر مملكة الجنّ من الذبّان 

 

    *  *  *

 

للبيروقراطيين

المغموسين مع الكعكة في قدح الشاي

والمنفوخين بمعجنة السلطات بدون خميرة 

والمقلوبين بكهف المنصب مثل خفافيش

والمشدودين بأحزمةٍ

كي لا تسقط منهم في الركضة أردافٌ وكروش

للبيروقراطيين تخليتُ عن البيت

لأسكن في مزبلة الجيران

وتخليتُ لهم عن أثوابي

مكتفياً بالنظارات الطبية

وسمحتُ بأن يلقوا في مدفأتي أهلي

كي أدفعَ عنهم نزلاتِ البرد

 

      *  *  *

 

حين ينام البيروقراطيون

أتيقظ كي استرجع أحلامي

فأنا لا أقوى بهزالي

أن أصرع أبطال السومو

القنّاصة بالطلقات يصيدون عصافير الآمال بأعيننا

ألأنهارُ بأوعيةٍ تُعرضُ للبيع 

ألجوعى أكلوا الرملَ بملعقة ٍ

لم يبق من الليل سوى نجمات        

تلمع من خجل كثنايا الموتى                 

 

     *  *  *

 

للبيروقراطيين الأصلاء

أتوقف ساعات لتحيتهم

حتى تتهشم كفي

هم عائلة ُكَرَاسٍ ومناضد

تتزاوج مع أجهزة التبريد

كي تنجبَ أغطية للنوم 

 

متعٌ زائلة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة (من أضرم النار في الشجرة )

 

أستمتع من هذي الدنيا

بعيونٍ طافيةٍ في موجة أحزاني كفقاعات

وبصوتٍ صُبّ بحنجرتي كصهير الفولاذ

وبأهدابٍ لا تُدخل في جوفي الشمس قُبيلَ التفتيش

بجناح مكسور في شبه ذراع

 

  *  *

أستمتع من هذي الدنيا

بجنون ٍمحموم ٍ

بدخان في جمجمتي

يتشكّلُ أحلاماً وخيالات

بعلامات الإستفهام المغروزة في حلقي كدبابيس

وبنحلاتٍ يحبسها في المملحة فضولٌ أو جوع

 

  *  *

استمتع من هذي الدنيا

أني استنطقتُ حجارتها بسكوني

وبأني حين بكيتُ امتدّتْ لي الأيدي بمناديل

 

  *  *

أستمتع من هذي الدنيا

أن أنيني بركانٌ

وبأنْ اعماقي تنزفُ دون سكاكين

ومفاتيحُ السادة لا تفتح ابوابي

وعلى بيتيَ ليس يطير الشيطان

 

  *  *

استمتع من هذي الدنيا

أني – حين يطيب ليَ المَكثُ – وتدٌ

وبأنْ روحي – حين أملّ – بها نشقة ُعطر

وبأنْ بصماتي لا تُمحى في الحالين

 

ميتة مفاجاة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من اضرم النار في الشجرة )

 

قرأتُ باحدى الصحفِ اليوميةِ نَعيي

شكّكتُ بصحة ما اقرأُ في البدء

استسلمتُ إلى خدر الطعنة

فالصحفُ اليوميةُ لا تكذبُ

            بالرغم من الحبرِ المستورد !!

ولأني ذو قلبٍ طيب

وعلى عينيَّ الصافيتين

              يدوس بأقدامٍ موحلة ٍ اصحابي

صدّقتُ النعيَ ، فأطفأت مصابيحي

واستدعيتُ ملاك الموتِ الى الغرفةِ ب( الهاتف )

 كفَّنتُ باغطيتي جسدي

ونثرتُ عليه السمَّ ليأنفَ منه الدودُ

واستبقيتُ لأنفاسي ثُقباً في كفني

    *    *    *

اللعبة ُتقربُ من آخرها

ولذلك أذعَنْتُ لصافرة الحكّام

وتركتُ الملعبَ مقتنعاً بالخُسران

 

إندلاعُ حريقٍ في غابة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

    القطاراتُ محمّلة ٌبالصدأ

والليالي تُساقط أنجمَها في السلاسل

أصبري

فالحرائق تمحو من الأفق أثارنا

إذا ما قضينا اختناقاً

فأيةُ ريح ستحمل أرواحنا للسماء ؟

ستسحقها تحتَ أضلافها البُهُمُ الفزعة

اناديكِ

لكنّ صوتي تبددهُ خشخشاتُ السلاسل

ورأسي دخانُ الحرائق ينفخُهُ كفقاعة

وهمهمة الجند حولي

وهم يحملون توابيتهم فوق أكتافهم

يسيرون للنصرِ في ذلةٍ

أنفاسهُم عاصفاتُ غبار

وأقصى طماحٍ بان يوهَبوا العمرَ اسرى

نشيدٌ حزينٌ

وفي الأعين الراكضات وراء القطار

تخالطَ دمعٌ بدم

    *    *

أمِن أجل الا نزاحمَ في الرزقِ كلبَ المطاعم

حُرمنا من النوم تَحتَ المطر ؟

وازدحمتْ في السماءِ رؤوسُ الصواريخ

كي لا تدنسَ أقدامُنا الطرقات

ألرصاص الذي طاش في الفجر

عادَ بارواحنا في السلاسل

فليس لنا مهرب

بعد أن شَرُدَتْ في دخان الحريق الجياد

                     

وليس لميتتنا من كفن

    *    *                

أفي كل يوم نبيع منازلنا للغريب

ونقعى باظلال أسوارها إتقاءَ الهجير ؟

وندفنُ أعمارَنا في تراب الملاجئِ

خوفاً من الرُجُمِ الساقطات

بلادي

تخيّرتِ ثوبي لحربكِ راية

فايُّ جلالٍ لثوبٍ خليق ؟

تنادين موتَى

فلا حملتْ راحةَ ٌلكِ جُرعةَ ماء

ولا أنقذ َالهاربون البقيّة

وقتلى حروبك

يستصرخونَ رجال الكمارك

الا يسدوا الحدود

ولو فُتحتْ

سوف يهرب حتى الهواء

ومثل بساط الرياح تطير السهول

لقد كانت الراسياتُ الجبالُ مع الناس تسكنُ بيتاً

ولكنها اليوم

تبحث فوقَ خرائط غربتها عن جذور

أصرخُ بالعشبِ حَدّ التوسل :

                              إبقَ هنا للربيع

وايتها الطيرُ

فلترجئي هجرةَ َالصيف ِ للسنة المقبلة

ويادمعَ أحبابنا في المهاجر

إغسلْ سخامَ الحرائق عن أوجه الماكثين

لم يبقَ من وطني غير مَيتٍ بدون كفن

أصبُعُهُ يَبُستْ

وهيَ تومئُ نحو الحدود

                         1996

 

قبّعة الساحر

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

أخرج من قبعتي فأراً

أخرج قطاً

فيشبّ نزاع  ينفرط الحفل به

وأسدّد من أجري ما كَسَرَ الخصمان

  *  *  *

أخرج من قبعتي كنزاً

وأنا أحسد

من يدفع عن قدميه البرد بجوراب مثقوب

  *  *  *

أخرج سكيناً صوب عدوّ موهوم

لكني لا أخرج من قبعتي أعدائي

فهمو ليسوا في قبعتي

بل في عيني

  *  *  *

أخرج من قبعتي غيمات جائعة

تبلع كلّ القاعة مثل وحوش من دخان

  *  *  *

أخرج أسراب فراشات

للشمس تطرّز ثوباً عاري الأكمام

  *  *  *

أخرج من قبعتي أعواد ثقاب

كي أحرق قبعة الساحر

أو أحرق راحات

تتلقى كذبات الساحر بالتصفيق

 

حكمة الفقراء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( صراخ في ليل العالم )

 

لسنا بملائكةٍ

ففتوقُ الأسمال الرثة

ليس تمكننا في الريح من التحليق

 

    *    *    *

نحن الفقراء – ملوك الأبسطة الصوفية –

تحت اوامرنا تسعى افواج العث

ولنا من عُري اضالعنا افرشة ، ولحاف

بسطاء فاعيننا

كقناني الخمر شفيفات

واذا دعستنا قاطرة القهر

لا نتجرأ الا نسب النزف للسع بعوض

 

    *    *    *

خلف ستارات نوافذنا

تحتفر الأشباح لنا آباراً ، وتموّهها

والموتى يخفون باقنعة الحفل سعادات الأحياء

بعَناء ننحتُ فرحتنا

فوق جبال الأحزان الصخرية

نحن – المهزومين المقتحمين –

لم تهزمنا ثاراتُ البق

بل سلحناها افواجاً

كي تدعمَنا في حرب مجاعتنا

 

    *    *    *

نحن –رجالَ الخوف –

فينا منه مخالب أوأنياب

نخشى الظالمَ

أن نتنفسَ ما ينقص من حصته بهواء الله

نخشى المجهول ولم نضمن من حاضرنا

أكثر من كسرات عفنة

نخشى الجدران

فللصخر عيونٌ وأذان

ونخاف ايادينا

أن تنسلَّ على الأعناق أوآن النوم لتخنقنا

ليس لنا من درع يدفع عنا النبل

كل الأعين سبطانات

والأحضان رحى

وقلوب الأحباب دوارقُ سُم

    *    *    *

نحن – السذج مابين العشاق-

اذ لم نلقَ بليل البرد حبيباً

نهدي الورد إلى العُذال

 

    *    *    *

فوق مناكبنا

تنتقل الكرة الأرضية مابين الأزمات

لم تتوقف قاطرة التاريخ برغم نفاذ الفحم

فعلى أضلعنا سكّتها

ضحكتنا كطبول الحرب

وعلى جبهات هوى مضطربات

اشلاءُ شفاه وقلوب

نحن معادن كل الثورات

فاذا فشلتْ

نحن ضحاياها

واذا انتصرتْ

نحن مطاياها

    *    *    *

من قمقمنا

خرجت اشباح البرد لتلبسَ اثواب الأمراء

من ضحكتنا

انطلقت نحو شواطيْ الحزن نوارسُ بيضٌ

من فروتنا

شحنت قطعان القمل

لتُطلق في الغابات نموراً وأسوداً

 

    *    *    *

نحن رجال الآمال المكبوتة

من اضلعنا انبعثَ دويّ مدافعنا

لكن

لم يطرد عصفورَ الراحة

                    الا من جنتنا

 

 

أفتقادُ شيء تافه

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

أذكرُ أني كنتُ قديماً أملك رأساً

وبه عينان كشاشاتِ التلفاز تبثان خفايا جسدي

وبه كانتْ أذنان

تلتقطان النجدةَ َمن أجرام منهارة

وعليه نمَتْ كومة ُشَوك

أسماها العامة ُشَعراً

وبه ثقبان يطشّان – إذا دُوهِمتُ – شراراً

وبه شيءٌ مثلُ اللغم يُسمى مُخّاً

لم ينفعْني يوماً

لكن خوفَ تفجّرهِ أبقيتُ عليه بلا استخدام

 

  *  *

منذ زمان كان على كتفي رأسٌ

يقعى كالفار على القمّة

لكن أين تُرى قد ضاع ؟

أحلامي لم تجتز حَدّ السُرَع ِالقصوى

قلبي لم يقفز فوق سُقوفِ الجيران

أظفاري لم تُغمد إلا في لحمي

مَزّقَ قدمي السَيرُ ولم أخلعْ خُفي

اكلتْ لحمي القملة ُ

لكن لم أنزع أسمالي

كيف إذن ضيّعتُ الرأسَ ؟

وطيلة َعمري ما حاربتُ سوى نفسي

رئتي لم تتنشّق من حصّة غيري

لم أسرع في الركض مخافة َأن يفلت عضوٌ مني

لم أسرع في الأكل مخافة َان أبتلعَ لساني

حين اغني أمسكُ اسناني

خوفاً أن تقلعها آهاتي

وبُعَيدَ اليقظةِ استنزفُ أعواماً من عُمري

كي أمحو اثار النوم

 

  *  *

لا أدري أين اضعتُ أنا رأسي

كنتُ وَثوقاً من خطواتي

تتهشّمُ اغصانُ الغاباتِ على جسدي

والريحُ السوداءُ بظهري تفركُ فروتَها

                               كي تزدادَ بياضاً

لكن حين خلوتُ لأملاكي أحسبها

فوجئتُ بأني لا أملك رأساً

 

  *  *

هذي الدعوة ُأرسلها للناس جميعاً

من يعثرْ في الأرض على رأس

فليبعثهُ على عنواني

 

 

أسدٌ هارب

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

أسدٌ هاربٌ في المدينة

لبدتهُ شعلة ٌمن لهب

شاهدتها وهي تلتهم الأسيجة .

وواجهت نظراتِهِ كالمحقق تبتزني

فأوشكتُ نسبَ جرائمَ لم أقترفها لنفسي ،

وهزهزني كالبريمة منه الزئير

فغاصتْ إلى الركبتين بيَ الأرصفة

 

   *  *  * 

ما كان ذا خبراً كاذباً في صحيفة

وما هو بالصّرعاتِ

تروّجها الشركاتُ لتنشيط سوق الكَذِب

بل إنهُ أسدٌ هاربٌ

كتيبة ُجُندٍ

مسلحة ٌببراثنها والنيوب

ومجرورة ٌللقتال بسلسلة من زئير

فكيف اذن أتنزّهُ في ساحةٍ للقتال ؟

وكيف تُراد الحياة

وقد صار حتى التنفس عبئاً ؟

فإنْ يكُ خلف جداريَ سبعٌ

كأنـّي بثوبيَ أحملُ أفعى

 

  *  *  *

 

أسد في المدينة

لكنهُ في الحقيقة كان بداخلنا                           

ترعرعَ من خوفنا

وحين نما نابُهُ

فتحنا له بابَ أجسادنا

ليهربَ منها إلى الطرقات

   

  *  *  *               

 

سنتلفُ أوراقنا

قبل أن تتنفسَ غربتنا الذكرياتِ

سنهربُ مثلَ العناكب

خلف نسيج الشكوك

ونثقبُ جدراننا كالمزاغلِ

نرصدُ ما يتحرّرُ عن نار خيفتِنا من دُخان .

إذا لم تفجّرْ مفرقعةُ الخوفِ أحشاءنا

سيقتلنا ألفُ موتٍ

توالد عن واحدٍ مثلما السرطان

فهل هو حقاً ـ كما ندّعي ـ أسدٌ هاربٌ في المدينة

أم انـّا زرعنا بداخلنا شوكةً

فصارتْ لفرطِ السقايةِ غابا

 

    *  *  *

 

أسدٌ هاربٌ في المدينة

يقضم أقدامَنا قبلَ أنْ تطأ الأرصفة

فهل سوف يمنحُنا الخوفُ أجنحة ًلنطير ؟

إنه أسدٌ واحدٌ

بلبدتِهِ يتخفى قطيعُ أسود

إذا ما غفونا

فأظفارُهُ ستنتّفُ أحلامنا              

فمن ذا سيوصلُ أرواحَ من يُقتلون لخالقها بسلام ؟

   

  *  *  *

لقد اوثقتنا مخاوفنا بالحبال

فليس بمقدورنا قتلُ ذاك الأسد 

نخاف إذا ما قتلناه

تسلبُنا روحُهُ بُقية ًمن أمان

ومن أجل أن أتحاشاهُ سوف أصادقه

سأغلق بابي

وأخرجُ عبرَ ثقوبِ المفاتيح كفي له

ترى هل يصافحُها ؟

أم سيقضمُها ؟

   

 

الأبواب لا تفتح للغرباء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من اضرم النار في الشجرة )

 

انهم ينزلون من الطائرات

وملءُ حقائبهم كومةٌ ٌمن سلاسل

انهم يزحفون

وفي الرمل قد خلّفوا بُقعاً من دماء

أثوابهم تتهرّأُ فوق الرصيف

وأعينهم كقدور على النار فيها تفورُ الدموع

لقد رحلوا دونَ اقدامهم

فقد تركوها بأوطانهم

وجاءوا إلى البحرِ يبتردونَ

فزادوا احتراقاً

إنها نزهة ُالغرباء الذينَ اذا ابتسموا

فدخانُ الحرائقِ يصعدُ عبرَ أصابعهم

وفي غمرة السُكر

تغدو الكؤوسُ ذئاباً وتعوي على المنضدة

   

  *    *    *

أيقضينا من الموت أيتها الذكريات

أرجعينا إلى بيتنا

أجمعينا باحبابنا الميتين على غيمةٍ واحدة

اوشكَ أن يجعل السُوط ُمنا كلاباً

فضحكتنا علقتها العواصف فوق الغصون

وداستُ على ظهرنا عرباتُ القطار

لم نعد نتسمّعُ أصواتنا

فالدموعُ التي قد ذرفنا ضحى

نعود لنشربها في المساء

    *    *    *

معْ هشيم الغصون تطير الخرائطُ ُفي العاصفة

تطير المناديلُ ( مطويةً ًخجلاً فوقَ يَبَسِ البصاق )

تطير الأكفّ كسرب سنونو

فتسقط مثل الجدار على ارؤس ِ الراكعينَ السماء

وتُركزُ مثلَ السهام المناقيرُ في الوحل

فلا تتبقى سوى حدقاتٍ من الطيرِ

                  مسلوبة ًمن اناشيدها

البيارقُ هرَّأها العصف

لكنها لم تزلْ خافقاتٍ على السارية

وبالرغم من ذُلِّنا

لم نزل نتطلعُ عبرَ ثقوب مناخيرنا للنجوم

    *    *    *

تركنا القرى خلفنا للحريق

بَعُدْناكثيراً

بعدنا

بعدنا

ورغم برودة اعصابنا

لم تزل تتصاعد رائحةُ ُالنار من تحت أثوابنا

                              شتاء 1998

 

بِِشرُ الحافي (*)

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

بشر الحافي في نادي الشيطان

أنفق ثروته فوق المائدة الدوّارة

علق سجّادته فوق صواري المهزومين

وبنى حول صوامعهِ أسواراً من فلين

وتحجج من رفض الدنيا

أن يتوارى في القيعان

 

  *  *  *

 

بشر الحافي

أغلق خزانات (البنك) على سُوَر القرآن

أطلق نار الصبر على مئذنة الجامع

قرأ بأيدي قراصنة الليل الطالع

و بكأس الخمرة ذوّبَ ثلجَ الغفران

 

  *  *  *

 

بشر الحافي

مات مصاباً بالإدمان

وبشر الحافي حين يموت

تنفلق التسبيحة من شفة العابد

كالدمّلة الملآى بالقيح

وتنفرط السبحة

مثل بيوض تفقس عن دود الحرمان

لكن بشر الحافي

قبل أوان الميتة قد لبس الأكفان

لم يطق الوحدة في القبر

وكان بنعماهُ ينادم ظلّ الحيطان

بشر الحافي ساق إلى حفرته موكبنا

وأهال علينا رمل البهتان

 

                                             1989

_____________________________

(*) بشر الحافي : هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي ( 150 –  227 ) هجرية ، متصوّف بغدادي يشهد له المؤرخون بالورع والتقوى .

 

ألحصان

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

صهيل يجيء لأذني من داخلي

خفيضا ً .. ومبتعدا ً

كلما أنا كذبته

تردّد في داخلي .. وتلاشى

فهل هو حقا ًحصان بصدري ؟

أم اني رسمت بفرشاة وهمي له خلف عيني عينا ً       

وكحّلتها بالظنون

وكيف تسلـّلَ ،

مع نغماتِ الأسى ؟

أم غيومِ النعاس ؟

ولكنني لست أنفثُ من منخريّ دخانا ً

وفي الصبح

لست أرى بصماتِ السنابك فوق الوسادة

وإذ أنا أنضو ثيابي عنـّي

فليس سوى أعظم

هي أقرب للشوك منها إلى مهرة أو حصان

واني إزاء الموانع

تطفئ ريحُ القنوط مصابيحَ عيني

فأخفض رأسي

وأزحفُ تحت جبال الفشل

 

*  *  *

                              

ولكنني حين أغضبُ

أشعرُ أن قطيعَ خيول

يهشـّم مرآة عيني

وحين اُسَرّ

تمسّدُ عنقٌ حريرية شَعرَ صدري

وحين يُثارُ طموحي

يُقطـّع شيءٌ بصدريَ حبلا ً، ويعدو

*  *  *

نعم لا يُكذب هذا الصهيل

وليس يُكذب حسّي

فليس غريبا ً

بانّ حصانا ًيعيش بصدري

أليستْ هناك أفاع ٍ

تعشّشُ في أضلع الآخرين ؟

 

                   حزيران - 1986

 

بانوراما

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

من نصب الحرية

سقطت بعض القطع الفنية

لم يرفعها أحدٌ

لم تُفتضّ خفايا البسمات المغموسة بالغسلين

داسَ عليها الباعةُ

والشرطة

والملفوفين بأثواب رجال الدين

  *  *  *

لم يتلفت أحدٌ لأنين المعدن

يصعد من أفواه المغدورين

لم توقف أجسادُ المارّة

زحف القاطرة – السكين

لم يُشعل أحدٌ

برميل البارود بألواح النصب

كان حمام الساحة

يتخذ شعور النسوة أعشاشاً

والصبحُ يعلق في واجهة الحانات

                          ثياب المذبوحين

مرّ العمّال يجرون وراءهمو أقداماً ميتة

مرّ الجرحى يجرّون بأكياس ٍأكوامَ شرايين

كانت حافلة الركاب المنفوخة

                          تنفث عبر أنابيب عوادمها

                                     أنّآتِ المحرومين

 

  *  *  *

من نصب الحرية

سقطت بعض القطع الفنية

لم يُرجعها أحدٌ للإفريز

أو يمسح بالهُدب الطين

كانت مثل الثلج تموعُ

والفجر الخجلان يمرّ بها

فيقول : وداعاً

لن أترجّلَ في الباب الشرقيّ ( * )

ما دامت حتى أمطاري

                     في قائمة المطلوبين

مرّتْ دوريات الأمن

تصيدُ بنظرات الأحقاد

                     شباباً هربوا من جبهات المنسيين

تركوا المدفع يعطس تحت الشمس

وجاءوا

ينتشلون الفلس الساقط من أحشاء التنين

كانت أمنيتي

أنْ تهرب أيضاً لوحات النصب

أو أنْ تُحقن تحت الجلدة مثل عقار الأنسولين

لم أكُ أمل

أن تسّاقط من جسد الوطن المقتول كورقة تين

                                           1989

__________________________________-

( * ) أكبر ميادين بغداد وفيه نصب الحرية للفنان الخالد جواد سليم

 

ألجسد – القيثار

ليث الصندوق بغداد

من مجموعة ( الإنسان الأخضر )

 

نزلَ القمرُ المُسهدُ

يطرقُ نافذة الحسناء الفلبينية في الفندق

يسكب خمرته في مفرق نهديها

يلحسُ لوح الثلج الحار

فتحتها

فانسلتْ سُحُب الصيف الساخن

                        من دانتيل الأستار

وارتعشت أعمدة ُالضوء على كريستال الفخذين

وتلاشت شفة ٌذائبة

في عسل الأمطار

فاستسمحها أنْ تقطفهُ من أشجار الليل

وتلقيهِ في معصرة الأثمار

أن تضفر خيطان الضوء الناصلِ من جبّته

أوتاراً فوق الجسد – القيثار

قالت : أعذرني

فصديقي يغفو في البهوِ

وحان أوان تحمّمنا بالنار

إذهبْ ( لعلاوي الحلة ) ( * )

فهنالك بنتٌ من ذهب

تستجدي في أحياء التجّار

بنتٌ من أجحل ملاحتها

تتمنى أنْ تنزل للأرض لتشحذ كلُ الأقمار

__________________________________________

( * ) حي شعبي من أحياء بغداد

 

ألعجائز

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

العجائزُ

يُبصرنَ أحلامَهنّ

تحلقُ مثلَ الطيور

ويبصرنَ دون الطيور الحرائقَ

تقضمُ صخرَ المدى والسماء

فليس تخلفُ في الكون غيرَ الحُطام

ولكنها لا تمسُّ الطيورَ التي هي أحلامهنَّ

   

    *  *  *

العجائز أيامُنا ألآتيات

لذلك يغمرهنَّ السوادُ

ويمنحهن َّ الزمانُ ذرائعَ لا تنتهي للكلام

كأنَّ بأفواههنَّ مناحلُ دائمة للعسل

 

    *  *  *

ألعجائز

أخرُ ما تنتهي له كلّ الحضاراتِ من خرَفٍ وهُزال

لذلك يلقينَ أكفانهنَّ

على شمس عزتهنَّ ، بُعيد انقطاع سلاسلها

وتحطمها فوق صخر الجبال

 

    *  *  *

العجائز

يبنين من حجر الكذب قصراً

يؤثثنهُ بالقمامة

ويرفعن راياتهنَّ عليه ملطخة بزيوت الطعام

وحين يجنُّ عليهنَّ ليل المنيّة

يفتحن أبوابه للذئاب

 

    *  *  * 

العجائز

يفرغن حيرتهنَّ بقنينةِ الأدوية

وتحت خيام الحداد

تلملمُهنَّ المصائبُ

مثلَ كراتٍ من الشوك تدفعها الريحُ للهاوية

 

    *  *  *

العجائز

فوق مراكبهنَّ التي

          لا تبارحُ وسط َالمحيط مواقعها

يتصيّدن أسماكَ حَيرتهنَّ

بصنارَة الكبتِ ،

والشهواتِ المضاعة

ولكنهنَّ ـ كما خبَرَ البحرَ ـ راكبُهُ

يتخوّفن ـ رغم تجاربهنَّ ـ من الرحلة المقبلة

كأنّ لهيبَ المَحبّةِ لم ينطفيءْ في الثيابْ

وما جفّ في الضرع شهدُ الشبابْ

*  *  *

 

العجائزُ

تمثالنا الذهبيّ الذي

حولتهُ السنينُ ترابْ .

 

بيكاسو يرسم قطعاناً من الثيران ويقتلها

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

قلتُ لبيكاسو : كرونيكا نُقلتْ في الليل إلى أمريكا

قالَ : ( وفي كأس الخمر طفتْ مُقلته كفقاعة )

كانت إسبانيا تلهث خلف اللوحة

والقتلى من حرب الشعب

يبيعون الأكفان لقتلى حرب الردّة

الثورُ الإسبانيّ يموتُ بلا طعنات

والروث يفوحُ معَ الموسيقى

                                من عربات الغجر

 

  *  *

في اليوم التالي لمكوت كرونيكا في المتحف

ثارت كلّ براكين العالم

وأكفّ الأطفال غدتْ سبطانات

تَطوّرَ فنّ القتل كثيراً

تحت الأنقاض توارت مدنٌ

وصيارفة الثورة في البورصة عَرَضوا الثورَ المسلوخ

بعد سنين من أرق ٍنامَ العالم

والطائرة المملوءة ُركاباً

ألقتْ بحمولتها في فوّهة البركان

 

  *  *

أمريكا تحشو بملايين الدولارات سحابات الصيف

أمريكا تبتاع بيوضَ البط ّالإسبانيّ

ليفقسَ عن ديناصورات

أمريكا توقد في رايتها خمسين سراجاً

                               من نفط ( الأوبك )

وتظل الراية ُمن فرط ِالعُتمة مُزرقّة

إنطفأت نيرانُ الحرب

وما زالَ دخانٌ في الأفق

والجنرالُ بأنجم رتبتِهِ الذهبيةِ

يرجم شيطانَ الشاعر لوركا

هبّتْ أولى نسماتِ خريفٍ ماطر

فارتفعتْ فوقَ الأكفان رؤوسُ الموتى

اشلاءً تبحث عن بُقيتها في المحرقة البشرية

محضَ هياكل تنهض

ثمّ يطوّحُها الإعصار

والمنفيون يعودون إلى أوطان أكثر حزناً مبتسمين

أوجههم شاحبة

وهي تحدّق في القمر المتمدّد بين الأحراج

تثقبه طلقاتُ القناصة

 

  *  *

مات فرانكو

واصابعُهُ فوق زناد مسدسه

فلقد افلحَ في ترويض ملايين الثيران

ماتَ رضيّاً

ونتانة جوربه الصوف تُخالط رائحة الموتى

أما بيكاسو

فلقد احسنَ – بالأبيض والأسود –

إنطاقَ اللوان جميعاً

 

حرائق الزيت

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من أضرم النار في الشجرة )

 

قبلَ قرونٍ مِتُّ

ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض

روحي حائرة ٌ

كملاكٍ ضيعَ في الرحلة نحو الله حقائبَهُ

وعلى الأفق الكالحِ تومضُ عيني مثلَ فنار

هذا بيتي

ما أبقتْ حَمْلاتُ الغازين سوى بابٍ مكسور

تلك حقولي

أشواكٌ تنمو من أجل مسيح أخر

وعلى الشمس الرخوة تغطس راحة كفي

حيث تنقلتُ أرى أبنائي

وصناديقي عَبثَ الدودُ بها واللصّ

كَبُرَ الحزن كأورام السرطان

واعتصرَ البدرُ على الشجر اليابسِ ِأثوابَ الغرباء

 

  *  *

لستُ غريباً عن هذا الوحل

عجنت منه يداي شعوباً وحضارات

وشممتُ له – حين ذُللتُ –

                        بأثواب السادة رائحة ًعفنة

قبل قرون مِتُّ

ثم رجعتُ لأسكنَ هذي الأرض

لستُ أرى نفسي بَعدَ العَود غريباً

كان جدارُ الموت زجاجاً

والكونان على مَبعدة الأنفاس ِمن الأخر

وإذا اشتقتُ

فبينَ الموتى والأحياء زياراتٌ مجانية

 

  *  *

أضحكُ

والقملُ بأثوابي

اغفو ،

فكأني لم أشبع موتاً

اتطلعُ في المرآة

فتطلقَ في وجهي ألافُ الماسورات قذائفها

لا أخشى شيئاً وبحلقي ما زال مذاق المُرّ

لكن ما يقلقني

ألا أعثرَ في الأرض على سقف

 

  *  *

قبل قرون مِتّ

وعلى البركان الهائج طافت روحي

سرتُ مع الأجيال من النشوة بالنصر

وحتى ذُلّ الأسر

كان المطرُ الأسودُ يصبغ قرصَ الشمس

وصخورُ الذلةِ تحني القامات

 

  *  *

كيف رجعتُ

وليس بهذا العالم ما يُغري ؟

الناس سكارى

يبكون وأعينُهم في أكياس النايلون

كِلمتهم جرفتها الأمطارُ مع البول إلى الوديان

وعلى الأكتاف بقايا عضّات كلاب

 

سعادة الشعراء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

بعتُ لأجل الشِعر الدنيا

وتشبّثتُ بأغصان ٍ نخرات ٍ في الطوفان

علـّقتُ بمسمار رئتي

في نافذة ٍ لا يدخلها غيرُ دخان

واستمتعتُ بمعزوفات سُعالي

جرحي لا يتوقف عن نزف ٍ

وسحاباتُ همومي تسقي أغراسَ السُعداء

لم أيأسْ ما دامَ فمي قفصاً لبلابلً

وبنظراتي أتنقلُ عبرَ القارات

ألتفاحُ يموعُ كشمعات في أنية الأغصان

وعلى جَفنيّ الشمسُ

              التعبى تلقي حِمْلَ الأضواء

 

      *  *  *

 

لم اتعبْ بعدُ

العالمُ يلهث خلف قطار ٍ من ذهب

وأنا فوق حبال الأفق

             أعلقُ جسميَ كالثوب المبلول

أهربُ ..

لكني أرجع طوعا ً لقيودي

 

    *  *  *

                            

من أجل الشعر تخليتُ عن الكنز إلى القرصان

غادرتُ سفيني ، ويدي موثقة

وعلى قبّعتي يسلحُ عصفور

إذ يخلد رأسي للنوم

يجمع قتلى الحرب هداياهم فوق وسادي

ثمّ يغيبون بأعماق الأرض

 

   *  *  *

 

أحزنُ أني غادرت ُ فقيرا ً جُزرَ المرجان

لكنـّي اخترتُ الفردوس

 

   *  *  *

 

احزن أني حين تركتُ العرشَ

غدوتُ أميرَ الشحّاذين

لم يُكرهني أحدٌ

أن أتنازلَ عن تيجاني للصعلوك

بيَد ٍواثقة ٍألقيتُ بميراثيَ في محرقة الأموات

وتركت سكارى الحانة يحشون بنادقهم

بذخائر من تفّ وشتائم

     *  *  *

ألافُ الشعراء بقاطرة نشوى

جاءوا من كلّ عصور الشعر

                      بدون جوازات سفر

مخترقين حدودَ التاريخ ،

وحقلَ اللغة الملغوم                        

ناياتٌ

و( قياثيرٌ)

وعيون ٌتحجبها من دنيا الأحلام ضبابة

في نافذتي

ألقى ( البيّاتيُّ ) بيانات العشّاق

وصلاح الصبّور على فـُرُشي

داسَ فخلـّف بصمات طيور

نجماتٍ .. نجماتٍ ..نجمات

والسيّاب بنبلته ثقب الشمسَ

                    فأمطرت التيزاب

ورياحُ الغربة من سعدي

نفختْ في العود الشرقيِّ مقامَ ( الرست )

يختلفونَ و يتفقونَ على منضدتي

فإذا اتفقوا

تبتلُّ ثيابي برذاذ القبلاتِ

وإذا اختلفوا

يتورّمُ جلدي من ضرب

 

   *  *  *

 

الشعر أنيسي

ادخلُ في أكنان الظلمةِ

في قلبي فانوسي

وصدى نبضي

يُسمَعُ من خللِ الجدران

 

ألألهة الحجرية

ليث الصندوق - بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

ذاتَ مساءٍ

نسيَ الحارسُ بابَ المُتحف مفتوحاً

وغفى

فانسلت هاربة ًللدرب تماثيلُ أباطرة وملوك

 

  *  *  *

 

مذ تلك الأيام

أغلقتِ الأبوابُ على عَفن العظم المنخور

وأطاحتْ برؤوس ِالأحياءِ مناجلُ صدِئة

فالموتى عبرَ ثقوب الدودِ يعودون

ويديرُونَ قطارَ الحاضر

نحوَ النفق المسدود

  *  *  *

مذ تلك الأيام

انتشرتْ في الأرض رياحُ الجُثث العفنة

وانبعثت من قمقمها

ألافُ الأعوام من القهر المكبوت

فالأيدي المجروحة ُمن فرطِ التصفيق

إذا سُئلتْ تختارُ البتر

وملايينُ الهاماتِ المرفوعة

تحنيها محضُ رصاصة

  *  *  *

مذ تلك الأيام

تمارس تلك الأحجارُ القهرَ على الإنسان                               

تطفِئُهُ كالسيكارة بالرمل

فيحفر أخدوداً

تحشره إذ تخطب في الظلمة

كي يبدي الإعجابَ برأس ٍمحنيّ

ويدورَ كثور ٍحولَ كراسيها

 

  *  *  *

 

منذ سهى عن حفظ أمانته الحاسُ

في المتحف ذات مساء

والإنسانُ يُسلّم هامته بطواعية المذلول

إلى الألهةِ الحجرية

 

                       1997

 

عواءُ ذئب في غابة

ليث الصندوق بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

نحن شهدنا ظهور النبيّ المزيّف

يحجبُ عينيه في خوذةٍ من حديد

في جيبه حفنة ٌمن رماد

بها يَدفنُ النائمين

وفي فمه رغوة ٌمن ضغائنِه

فغام المدى – حين طلّ -

وحاكتْ من المهج الساحراتُ ـ العجائزُ

ثوبَ حداد

وقطـّعتِ الشمسُ أسبابَها

وهوتْ كالذبابة

           مطفأة ًفي الوهاد

 

  *  *  *

 

أصابعه فوق جلدتنا كالسياط

تبعنا عناكبَه

وأشباحَه ، وهي تسعل في العاصفة

يدوسُ الخطايا ،

فتـُطلعُ دغلا ً

ويلقي إلى السبع حشد الجياع

رجالاته يلعقون الصدأ

ويتخذون العظام سواك

ومثلَ العناكب

يدّرعون بصمغ الشِباك                        

أضلاعُهم تتفتـّتُ تحت دواليب دبابة الغاصبين

على النار أسيافهم

وفوق الصدور نجومٌ ملطـّخة بالبصاق

رجال من الطين

لكنّ أضراسهم كالمناشير

تقتطع النسل من جذره

 

  *  *  *

 

نحن شهدنا ظهور نبيّ مزيّف

على كتفه حفنة من نجوم

يعبّئُها في بنادقه ـ حين يحتاجها ـ بدل الطلقات

في مقلتيه الضغينة تعصر أهدابه الداميات

يقفز بين القمم

ويلقي الجبال إلى الهاوية

نبيّ على فمِهِ نتنُ الجُثث النافقات

تبعناه نحو النهار ، فتهنا

وقد لمّنا مزقا ًليذوّبنا بدخان سكائره

ولقننا

فأضاف إلى الجهل شعبا ً

وعلمنا الحقد فنـّا لنأكل بعضا ً

وساوى أصابعنا

ليضيعَ الأراذلُ بالخيّرين

إذا ما احترقنا على عرشه ظلّ فردا ً

يصبّ صهيرَ المعادن في الحدقات

أب قاتل لبنيه

 

  *  *  *

                            

أعرفه منذ أن صلبوه

لمّا تزل قبلاتي

مثقوبة فوق راحته

وفوق جراحاته أفرخ الثأر سربَ ذباب

وكان عليّ ترقـّبُ رجعتِه

لكنه عاد للثأر من ورقات الشجر

نبيّ يُقيمُ على السّهب صلبانه

وينفخ نيرانه في عيون النيام

فيحرق أحلامهم

 

  *  *  *

 

نبيّ بغرفته الحقدُ يبني تواريخه بالعظام

مدافعُهُ ليس تدوي سوى في المآتم

أمّا صحائفه فرسائل للإبتزاز

أشياعُه يلعقون الدماءَ بأهدابهم

يُطوّبُ منتظريه وقبضته في الخزانة

 

  *  *  *

 

حدائق ذابلة

رياح تلملم أسيافها

بعد أن حطمتها سيوف الفتن

ملائكة يتهاوون من تعب

كنديف الثلوج على شرفات الزمن

وثمّة نافذة تتنفس منها عروق البدن

فإياكم والخضوع لسوط النعاس

تعالوا نحرّرْ من الجلد أرواحنا

                 قبل أن يعتريها العفن

لمّا يعد للأمان وطن

لمّا يعد للأمان وطن                         

 

البيروقراطيون

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( عواء ذئب في غابة )

 

للبيروقراطيين الأصلاء

النامينَ على أخشاب مقاعدهم

كالعشبة فوق الأجداث

والمحفوظين ببوتقة الغفوة بالديتول

للبيروقراطيين اغني كرهاً

حتى أتمنى أن ألقمَ حنجرتي للكلب

 

    *  *  *

 

وزراءٌ بملامحَ من صخر

تُنحتُ بالأزميل بها البسمة

وكلاءُ وزاراتٍ

تحت مقاعدهم ألغامٌ ، ومصائدُ فئران

ضبّاطٌ بمدافعهم

سقطتْ فوق معاطفهم ألاف الأنجم

مخبولون بتيجانٍ من أكياس النايلون

للبيروقراطيين سأقلع أسناني

كي لا اضحك ممن يشهر دبّوساً

ليحرّر مملكة الجنّ من الذبّان 

 

    *  *  *

 

للبيروقراطيين

المغموسين مع الكعكة في قدح الشاي

والمنفوخين بمعجنة السلطات بدون خميرة 

والمقلوبين بكهف المنصب مثل خفافيش

والمشدودين بأحزمةٍ

كي لا تسقط منهم في الركضة أردافٌ وكروش

للبيروقراطيين تخليتُ عن البيت

لأسكن في مزبلة الجيران

وتخليتُ لهم عن أثوابي

مكتفياً بالنظارات الطبية

وسمحتُ بأن يلقوا في مدفأتي أهلي

كي أدفعَ عنهم نزلاتِ البرد

 

      *  *  *

 

حين ينام البيروقراطيون

أتيقظ كي استرجع أحلامي

فأنا لا أقوى بهزالي

أن أصرع أبطال السومو

القنّاصة بالطلقات يصيدون عصافير الآمال بأعيننا

ألأنهارُ بأوعيةٍ تُعرضُ للبيع 

ألجوعى أكلوا الرملَ بملعقة ٍ

لم يبق من الليل سوى نجمات        

تلمع من خجل كثنايا الموتى                 

 

     *  *  *

 

للبيروقراطيين الأصلاء

أتوقف ساعات لتحيتهم

حتى تتهشم كفي

هم عائلة ُكَرَاسٍ ومناضد

تتزاوج مع أجهزة التبريد

كي تنجبَ أغطية للنوم 

 

متعٌ زائلة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة (من أضرم النار في الشجرة )

 

أستمتع من هذي الدنيا

بعيونٍ طافيةٍ في موجة أحزاني كفقاعات

وبصوتٍ صُبّ بحنجرتي كصهير الفولاذ

وبأهدابٍ لا تُدخل في جوفي الشمس قُبيلَ التفتيش

بجناح مكسور في شبه ذراع

 

  *  *

أستمتع من هذي الدنيا

بجنون ٍمحموم ٍ

بدخان في جمجمتي

يتشكّلُ أحلاماً وخيالات

بعلامات الإستفهام المغروزة في حلقي كدبابيس

وبنحلاتٍ يحبسها في المملحة فضولٌ أو جوع

 

  *  *

استمتع من هذي الدنيا

أني استنطقتُ حجارتها بسكوني

وبأني حين بكيتُ امتدّتْ لي الأيدي بمناديل

 

  *  *

أستمتع من هذي الدنيا

أن أنيني بركانٌ

وبأنْ اعماقي تنزفُ دون سكاكين

ومفاتيحُ السادة لا تفتح ابوابي

وعلى بيتيَ ليس يطير الشيطان

 

  *  *

استمتع من هذي الدنيا

أني – حين يطيب ليَ المَكثُ – وتدٌ

وبأنْ روحي – حين أملّ – بها نشقة ُعطر

وبأنْ بصماتي لا تُمحى في الحالين

 

ميتة مفاجاة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( من اضرم النار في الشجرة )

 

قرأتُ باحدى الصحفِ اليوميةِ نَعيي

شكّكتُ بصحة ما اقرأُ في البدء

استسلمتُ إلى خدر الطعنة

فالصحفُ اليوميةُ لا تكذبُ

            بالرغم من الحبرِ المستورد !!

ولأني ذو قلبٍ طيب

وعلى عينيَّ الصافيتين

              يدوس بأقدامٍ موحلة ٍ اصحابي

صدّقتُ النعيَ ، فأطفأت مصابيحي

واستدعيتُ ملاك الموتِ الى الغرفةِ ب( الهاتف )

 كفَّنتُ باغطيتي جسدي

ونثرتُ عليه السمَّ ليأنفَ منه الدودُ

واستبقيتُ لأنفاسي ثُقباً في كفني

    *    *    *

اللعبة ُتقربُ من آخرها

ولذلك أذعَنْتُ لصافرة الحكّام

وتركتُ الملعبَ مقتنعاً بالخُسران

 

إندلاعُ حريقٍ في غابة

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

 القطاراتُ محمّلة ٌبالصدأ

والليالي تُساقط أنجمَها في السلاسل

أصبري

فالحرائق تمحو من الأفق أثارنا

إذا ما قضينا اختناقاً

فأيةُ ريح ستحمل أرواحنا للسماء ؟

ستسحقها تحتَ أضلافها البُهُمُ الفزعة

اناديكِ

لكنّ صوتي تبددهُ خشخشاتُ السلاسل

ورأسي دخانُ الحرائق ينفخُهُ كفقاعة

وهمهمة الجند حولي

وهم يحملون توابيتهم فوق أكتافهم

يسيرون للنصرِ في ذلةٍ

أنفاسهُم عاصفاتُ غبار

وأقصى طماحٍ بان يوهَبوا العمرَ اسرى

نشيدٌ حزينٌ

وفي الأعين الراكضات وراء القطار

تخالطَ دمعٌ بدم

    *    *

أمِن أجل الا نزاحمَ في الرزقِ كلبَ المطاعم

حُرمنا من النوم تَحتَ المطر ؟

وازدحمتْ في السماءِ رؤوسُ الصواريخ

كي لا تدنسَ أقدامُنا الطرقات

ألرصاص الذي طاش في الفجر

عادَ بارواحنا في السلاسل

فليس لنا مهرب

بعد أن شَرُدَتْ في دخان الحريق الجياد

                     

وليس لميتتنا من كفن

    *    *                 

أفي كل يوم نبيع منازلنا للغريب

ونقعى باظلال أسوارها إتقاءَ الهجير ؟

وندفنُ أعمارَنا في تراب الملاجئِ

خوفاً من الرُجُمِ الساقطات

بلادي

تخيّرتِ ثوبي لحربكِ راية

فايُّ جلالٍ لثوبٍ خليق ؟

تنادين موتَى

فلا حملتْ راحةَ ٌلكِ جُرعةَ ماء

ولا أنقذ َالهاربون البقيّة

وقتلى حروبك

يستصرخونَ رجال الكمارك

الا يسدوا الحدود

ولو فُتحتْ

سوف يهرب حتى الهواء

ومثل بساط الرياح تطير السهول

لقد كانت الراسياتُ الجبالُ مع الناس تسكنُ بيتاً

ولكنها اليوم

تبحث فوقَ خرائط غربتها عن جذور

أصرخُ بالعشبِ حَدّ التوسل :

                              إبقَ هنا للربيع

وايتها الطيرُ

فلترجئي هجرةَ َالصيف ِ للسنة المقبلة

ويادمعَ أحبابنا في المهاجر

إغسلْ سخامَ الحرائق عن أوجه الماكثين

لم يبقَ من وطني غير مَيتٍ بدون كفن

أصبُعُهُ يَبُستْ

وهيَ تومئُ نحو الحدود

                         1996

 

قبّعة الساحر

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( أحزان عازف القيثار )

 

 أخرج من قبعتي فأراً

أخرج قطاً

فيشبّ نزاع  ينفرط الحفل به

وأسدّد من أجري ما كَسَرَ الخصمان

  *  *  *

أخرج من قبعتي كنزاً

وأنا أحسد

من يدفع عن قدميه البرد بجوراب مثقوب

  *  *  *

أخرج سكيناً صوب عدوّ موهوم

لكني لا أخرج من قبعتي أعدائي

فهمو ليسوا في قبعتي

بل في عيني

  *  *  *

أخرج من قبعتي غيمات جائعة

تبلع كلّ القاعة مثل وحوش من دخان

  *  *  *

أخرج أسراب فراشات

للشمس تطرّز ثوباً عاري الأكمام

  *  *  *

أخرج من قبعتي أعواد ثقاب

كي أحرق قبعة الساحر

أو أحرق راحات

تتلقى كذبات الساحر بالتصفيق

 

حكمة الفقراء

ليث الصندوق – بغداد

من مجموعة ( صراخ في ليل العالم )

 

لسنا بملائكةٍ

ففتوقُ الأسمال الرثة

ليس تمكننا في الريح من التحليق

 

    *    *    *

نحن الفقراء – ملوك الأبسطة الصوفية –

تحت اوامرنا تسعى افواج العث

ولنا من عُري اضالعنا افرشة ، ولحاف

بسطاء فاعيننا

كقناني الخمر شفيفات

واذا دعستنا قاطرة القهر

لا نتجرأ الا نسب النزف للسع بعوض

 

    *    *    *

خلف ستارات نوافذنا

تحتفر الأشباح لنا آباراً ، وتموّهها

والموتى يخفون باقنعة الحفل سعادات الأحياء

بعَناء ننحتُ فرحتنا

فوق جبال الأحزان الصخرية

نحن – المهزومين المقتحمين –

لم تهزمنا ثاراتُ البق

بل سلحناها افواجاً

كي تدعمَنا في حرب مجاعتنا

 

    *    *    *

نحن –رجالَ الخوف –

فينا منه مخالب أوأنياب

نخشى الظالمَ

أن نتنفسَ ما ينقص من حصته بهواء الله

نخشى المجهول ولم نضمن من حاضرنا

أكثر من كسرات عفنة

نخشى الجدران

فللصخر عيونٌ وأذان

ونخاف ايادينا

أن تنسلَّ على الأعناق أوآن النوم لتخنقنا

ليس لنا من درع يدفع عنا النبل

كل الأعين سبطانات

والأحضان رحى

وقلوب الأحباب دوارقُ سُم

    *    *    *

نحن – السذج مابين العشاق-

اذ لم نلقَ بليل البرد حبيباً

نهدي الورد إلى العُذال

 

    *    *    *

فوق مناكبنا

تنتقل الكرة الأرضية مابين الأزمات

لم تتوقف قاطرة التاريخ برغم نفاذ الفحم

فعلى أضلعنا سكّتها

ضحكتنا كطبول الحرب

وعلى جبهات هوى مضطربات

اشلاءُ شفاه وقلوب

نحن معادن كل الثورات

فاذا فشلتْ

نحن ضحاياها

واذا انتصرتْ

نحن مطاياها

    *    *    *

من قمقمنا

خرجت اشباح البرد لتلبسَ اثواب الأمراء

من ضحكتنا

انطلقت نحو شواطيْ الحزن نوارسُ بيضٌ

من فروتنا

شحنت قطعان القمل

لتُطلق في الغابات نموراً وأسوداً

 

    *    *    *

نحن رجال الآمال المكبوتة

من اضلعنا انبعثَ دويّ مدافعنا

لكن

لم يطرد عصفورَ الراحة

                    الا من جنتنا

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا

ضع إعلانك هنا